لطيفة: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " من كان له مال يبلغه حج بيت ربه، أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل يا ابن عباس: اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار!! فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآنا ﴿ وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب.. ﴾ الآية.
64 - سورة التغابن
64.1-18
اللغة: ﴿ صوركم ﴾ التصوير: التخطيط والتشكيل الذي يكون به صورة وهيئة يتميز بها عن غيره ﴿ نبأ ﴾ النبأ: الخبر الهام ﴿ وبال ﴾ الوبال: العقوبة والنكال ﴿ زعم ﴾ ظن، والزعم هو القول بالظن ومنه قولهم " زعموا مطية الكذب " قال شريح: " لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا " ﴿ التغابن ﴾ الغبن ومعناه: النقص يقال: غبنه غبنا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته، وسمي يوم القيامة يوم التغابن، لأنه يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان.
سبب النزول: روي أن رجالا من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا الى النبي صلى الله عليه وسلم فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا: صبرنا على إسلامكم ولا صبر لنا على فراقكم!؟ فأطاعوهم وتركوا الهجرة فأنزل الله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم... ﴾ الآية.
التفسير: ﴿ يسبح لله ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي ينزه الله تعالى ويمجده جميع ما في السماوات والأرض من مخالوقات، تنزيها دائما مستمرا بدون انقطاع، وصيغة المضارع تفيد التجدد والاستمرار ﴿ له الملك وله الحمد ﴾ أي له جل وعلا الملك التام والتصرف الكامل في خلقه، وهو المستحق للثناء وحده، لأن جميع النعم منه سبحانه وتعالى، وقدم الجار والمجرور فيهما لإفادة حصر الملك والحمد فيه سبحانه ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ أي قادر على كل شيء، يغني ويفقر، ويعز ويذل، وإذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، وهو كالدليل لما تقدم من أن الملك والحمد له سبحانه ﴿ هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ﴾ هذا تفصيل لبعض آثار قدرته أي هو الذي خلقكم أيها الناس بهذا الشكل البديع المحكم، فكان يجب على كل واحد منكم الإيمان به، لكن منكم من كفر بربه، ومنكم من آمن وصدق بخالقه قال الطبري: أي منكم كافر بخالقه وأنه هو الذي خلقه، ومنكم مصدق به موقن أنه خالقه وبارئه، وقدم الكافر على المؤمن، لكثرة الكفار وقلة المؤمنين
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله
[الأنعام: 116]
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13] ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ أي عالم بأحوالكم، مطلع على أعمالكم، لا تخفى عليه خافية من شئونكم وسيجازيكم عليها.. ثم فصل تعالى آثار قدرته ودلائل وحدانيته فقال ﴿ خلق السموت والأرض بالحق ﴾ أي خلقهما بالحكمة البالغة، المتضمنة لمصالح الدنيا والدين، لا عبثا ولا لهوا ﴿ وصوركم فأحسن صوركم ﴾ أي خلقكم في أحسن صورة وأجمل شكل، فأتقن وأحكم خلقكم وتصويركم كقوله تعالى
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
[التين: 4] فإن من نظر في شكل الإنسان وهيئته وتناسب أعضائه، علم أن صورته أحسن صورة بالنسبة لسائر أنواع الحيوان، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبا غير منكب على وجهه ﴿ وإليه المصير ﴾ أي وإليه تعالى وحده المرجع والمآب، فيجازي كلا بعمله ﴿ يعلم ما في السموت والأرض ﴾ أي يعلم ما في الكائنات من أجرام ومخلوقات ﴿ ويعلم ما تسرون وما تعلنون ﴾ أي ويعلم ما تخفونه وما تظهرونه من نواياكم وأعمالكم ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ أي عالم بما في الصدور من الأسرار والخفايا، فكيف تخفى عليه أعمالكم الظاهرة؟ قال في البحر: نبه تعالى بعلمه بما في السماوات والأرض، ثم بعلمه بما يخفيه العباد وما يعلنونه، ثم بعلمه بما أكنته الصدور، على أنه تعالى لا يغيب عن علمه شيء، لا من الكليات ولا من الجزئيات، فابتدأ بالعلم الشامل، ثم بسر العباد وعلانيتهم، ثم بما تنطوي عليه صدروهم، وهذا كله في معنى الوعيد، إذ هو تعالى المجازي عليه بالثواب والعقاب.