تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه: يحتمل أن يراد بالكفر المعنى الحقيقي أو المجازي فيكون المراد بالكافر تارك الزكاة كما ذهب إليه الزمخشري حيث قال: أراد والتاركون للزكاة هم الظالمون، وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد كما في آية الحج

ومن كفر

[البقرة: 126] مكان " ومن لم يحج " ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله

وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة

[فصلت: 6 - 7].

2.255-257

المناسبة: لما ذكر تعالى تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبين أن الخلائق قد اختلفوا من بعدهم وتنازعوا وتقاتلوا بسبب الدين، ذكر أن هذا التفضيل بين الأنبياء لا يستدعي الصراع بين الأتباع ولا الخصام والنزاع، فالرسل صلوات الله عليهم وإن كانوا متفاوتين في الفضل إلا أنهم جميعا جاءوا بدعوة واحدة هي " دعوة التوحيد " فرسالتهم واحدة ودينهم واحد، وأنه لا إكراه في الدين فقد سطع نور الحق وأشرق ضياؤه.

اللغة: ﴿ الحي ﴾ ذو الحياة الكاملة ومعناه الباقي الدائم الذي لا سبيل للفناء عليه ﴿ القيوم ﴾ القائم بتدبير الخلق ﴿ سنة ﴾ بكسر السين النعاس وهو ما يسبق النوم من فتور قال الشاعر:

وسنان أقصده النعاس فرنقت

في عينه سنة وليس بنائم

﴿ يؤوده ﴾ يثقله ويتعبه ﴿ العلي ﴾ المراد علو المنزلة والشأن الذي تعالى في جلاله وعظم في سلطانه ﴿ إكراه ﴾ الإكراه: حمل الشخص على ما يكره بطريق القسر والجبر ﴿ الطاغوت ﴾ من الطغيان وهو كل ما يطغي الإنسان ويضله عن طريق الحق والهدى ﴿ الوثقى ﴾ مؤنث الأوثق وهو الشيء المحكم الموثق ﴿ انفصام ﴾ الانفصام: الانكسار قال الفراء: الانفصام والانقصام لغتان وبالفاء أفصح وقال بعضهم: الفصم انكسار بغير بينونة والقصم انكسار ببينونة.

سبب النزول: كان لرجل من الأنصار ابنان تنصرا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من التجار يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما فنزلت ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ﴾. الآية.

التفسير: ﴿ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ﴾ أي هو الله جل جلاله الواحد الأحد الفرد الصمد، ذو الحياة الكاملة، الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون الخلق بالرعاية والحفظ والتدبير ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ أي لا يأخذه نعاس ولا نوم كما ورد في الحديث

" إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه "

، ﴿ له ما في السموت وما في الأرض ﴾ أي جميع ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ أي لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إلا إذا أذن له الله تعالى قال ابن كثير: وهذا بيان لعظمته وجلاله وكبريائه بحيث لا يتجاسر أحد على الشفاعة إلا بإذن المولى ﴿ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ﴾ أي يعلم ما هو حاضر مشاهد لهم وهو الدنيا وما خلفهم أي أمامهم وهو الآخرة فقد أحاط علمه بالكائنات والعوالم ﴿ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء ﴾ أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما أعلمهم إياه على ألسنة الرسل ﴿ وسع كرسيه السموت والأرض ﴾ أي أحاط كرسيه بالسماوات والأرض لبسطته وسعته، والسماوات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وروي عن ابن عباس ﴿ وسع كرسيه ﴾ قال: علمه بدلالة قوله تعالى

ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما

[غافر: 7] فأخبر أن علمه وسع كل شيء وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش قال ابن كثير: والصحيح أن الكرسي غير العرش وأن العرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار والأخبار ﴿ ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم ﴾ أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما وهو العلي فوق خلقه ذو العظمة والجلال كقوله

الكبير المتعال

[الرعد: 9] ﴿ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ﴾ أي لا إجبار ولا إكراه لأحد على الدخول في دين الإسلام، فقد بان ووضح الحق من الباطل والهدى من الضلال ﴿ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ﴾ أي من كفر بما يعبد من غير الله كالشيطان والأوثان وآمن بالله فقد تمسك من الدين بأقوى سبب ﴿ لا انفصام لها ﴾ أي لا انقطاع لها ولا زوال ﴿ والله سميع عليم ﴾ أي سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي أمورهم، يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان والهداية ﴿ والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ أي وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الشك والضلال ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ أي ماكثون في نار جهنم لا يخرجون منها أبدا.

صفوة التفاسير · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٩٠