البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- الطباق بين لفظة ﴿ الأشقى ﴾ و ﴿ الأتقى ﴾ وبين ﴿ اليسرى ﴾ و ﴿ العسرى ﴾.
2- المقابلة اللطيفة ﴿ فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى ﴾ وبين ﴿ وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى ﴾ الآيات.
3- جناس الاشتقاق ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾ لأن اليسرى من التيسير فبينهما مجانسة.
4- حذف المفعول للتعميم ليذهب ذهن السامع كل مذهب ﴿ فأما من أعطى واتقى.. ﴾ الآيات.
5- السجع الرصين غير المتكلف كقوله ﴿ لا يصلاهآ إلا الأشقى.. وسيجنبها الأتقى ﴾ الخ.
كان عمر رضي الله عنه يقول: أعتق سيدنا سيدنا يريد أعتق سيدنا أبو بكر سيدنا بلالا، فما أروع هذه النفوس؟ اللهم ارزقنا محبة أصحاب الرسول جميعا.
93 - سورة الضحى
93.1-11
اللغة: ﴿ سجى ﴾ سجى الليل: اشتد ظلامه ﴿ قلى ﴾ أبغض قال الراغب: القلي: شدة البغض يقال: قلاه ويقليه أي أبغضه ﴿ آوى ﴾ ضمه إلى من يرعاه ﴿ عآئلا ﴾ فقيرا معدما وهو من اشتد به الفقر قال جرير:
الله نزل في الكتاب فريضة
لابن السبيل وللفقير العائل
﴿ تقهر ﴾ تذله وتحقره ﴿ تنهر ﴾ تزجره وتغلظ عليه في الكلام.
سبب النزول: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة - وهي أم جميل امرأة أبي لهب - فقالت يا محمد: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك!! لم أره قربك ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله عز وجل: ﴿ والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى ﴾.
التفسير: ﴿ والضحى * والليل إذا سجى ﴾ أقسم تعالى بوقت الضحى وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، وأقسم بالليل إذا اشتد ظلامه، وغطى كل شيء في الوجود قال ابن عباس: ﴿ سجى ﴾ أقبل بظلامه قال ابن كثير: هذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، وبالليل إذا سكن فأظلم وأدلهم، وذلك دليل ظاهر على قدرته تعالى ﴿ ما ودعك ربك وما قلى ﴾ أي ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبك، وهذا رد على المشركين حين قالوا: هجره ربه، وهو جواب القسم ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾ أي وللدار الآخرة خير لك يا محمد من هذه الحياة الدنيا، لأن الآخرة باقية، والدنيا فانية، ولهذا كان عليه السلام يقول:
" اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة "
﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ أي سوف يعطيك ربك في الآخرة من الثواب، والكرامة، والشفاعة، وغير ذلك إلى أن ترضى قال ابن عباس: هي الشفاعة في أمته حتى يرضى، لما روي
" أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمته فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله يا جبريل إذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك: - وهو أعلم - فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله فأخبره رسول الله بما قال، فقال الله يا جبريل: اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك "
، وفي الحديث
" لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة "
الحديث قال الخازن: والأولى حمل الآية على ظاهرها ليشمل خيري الدنيا والآخرة معا، فقد أعطاه الله تعالى في الدنيا النصر والظفر على الأعداء، وكثرة الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وجعل أمته خير الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة العامة، والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة.. ثم لما وعده بهذا الوعد الجليل، ذكره بنعمه عليه في حال صغره ليشكر ربه فقال ﴿ ألم يجدك يتيما فآوى ﴾ أي ألم تكن يا محمد يتيما في صغرك، فآواك الله إلى عمك أبي طالب وضمك إليه؟ قال ابن كثير: وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده " عبد المطلب " إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه " أبو طالب " ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين وأبو طالب على عبادة الأوثان مثل قومه ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا من حفظ الله له، وكلاءته وعنايته به ﴿ ووجدك ضآلا فهدى ﴾ أي ووجدك تائها عن معرفة الشريعة والدين فهداك إليها كقوله تعالى