البلاغة: تضمنت السورة الكريمة وجوها من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- التنكير للتهويل والتفخيم ﴿ ويل للمطففين ﴾.
2- الطباق بين ﴿ يستوفون ﴾ و ﴿ يخسرون ﴾.
3- المقابلة بين حال الفجار والأبرار ﴿ كلا إن كتاب الفجار.. ﴾ الخ و ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين.. ﴾ الخ.
4- التفخيم والتعظيم لمراتب الأبرار ﴿ ومآ أدراك ما عليون ﴾؟
5- جناس الاشتقاق ﴿ فليتنافس المتنافسون ﴾.
6- الإطناب بذكر أوصاف ونعيم المتقين ﴿ إن الأبرار لفي نعيم * على الأرآئك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم ﴾.
7- التشبيه البليغ ﴿ ختامه مسك ﴾ أي كالمسك في الطيب والبهجة، فحذف منه الأداة ووجه الشبه فأصبح بليغا.
8- توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿ يضحكون ﴾ ، ﴿ ينظرون ﴾ ، ﴿ يكسبون ﴾ ، ﴿ يفعلون ﴾ الخ.
84 - سورة الإنشقاق
84.1-25
اللغة: ﴿ كادح ﴾ الكدح: الجد والاجتهاد وجهد النفس في العمل قال الشاعر:
ومضت بشاشة كل عيش صالح
وبقيت أكدح للحياة وأنصب
﴿ يحور ﴾ يرجع يقال: حار يحور إذا رجع ومنه حديث
" أعوذ بك من الحور بعد الكور "
أي الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة ﴿ الشفق ﴾ الحمرة التي تكون بعد مغيب الشمس ﴿ وسق ﴾ جمع وضم ولف ﴿ اتسق ﴾ اجتمع وتكامل وتم نوره ﴿ ممنون ﴾ مقطوع.
التفسير: ﴿ إذا السمآء انشقت ﴾ هذه الآيات بيان لأهوال القيامة، وتصوير لما يحدث بين يدي الساعة من كوارث وأهوال يفزع لها الخيال والمعنى: إذا تشققت السماء وتصدعت مؤذنة بخراب الكون قال الألوسي: تنشق لهول يوم القيامة ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ أي واستمعت لأمر ربها وانقادت لحكمه وحق لها أن تسمع وتطيع وأن تنشق من أهوال القيامة ﴿ وإذا الأرض مدت ﴾ أي وإذا الأرض زادت سعة بإزالة جبالها وآكامها، وصارت مستوية لا بناء فيها ولا وهاد ولا جبال ﴿ وألقت ما فيها وتخلت ﴾ أي رمت ما في جوفها من الموتى والكنوز والمعادن وتخلت عنهم قال القرطبي: أخرجت أمواتها وتخلت عنهم، وألقت ما في بطنها من الكنوز والمعادن كما تلقي الحامل ما في بطنها من الحمل، وذلك يؤذن بعظم الهول ﴿ وأذنت لربها وحقت ﴾ أي واستمعت لأمر ربها وأطاعت، وحق لها أن تسمع وتطيع.. وجواب ﴿ إذا ﴾ محذوف ليكون أبلغ في التهويل أي إذا حدث كل ما تقدم، لقي الإنسان من الشدائد والأهوال، ما لا يحيط به الخيال.. ثم أخبر تعالى عن كد الإنسان وتعبه في هذه الحياة، وأنه يلقى جزاءه عند الله فقال ﴿ يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ﴾ الخطاب عام لكل إنسان أي أنت يا ابن آدم جاهد ومجد بأعمالك التي عاقبتها الموت، والزمان يطير وأنت في كل لحظة تقطع شوطا من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك فيكافئك على عملك، إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر قال في البحر: كادح أي جاهد في عملك من خير وشر طول حياتك إلى لقاء ربك، فملاق جزاء كدحك من ثواب وعقاب.. ثم ذكر تعالى انقسام الناس إلى سعداء وأشقياء وإلى من يأخذ كتابه بيمينه، ومن يأخذ كتابه بشماله فقال ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه ﴾ أي فأما من أعطي كتاب أعماله بيمينه، وهذه علامة السعادة ﴿ فسوف يحاسب حسابا يسيرا ﴾ أي فسوف يكون حسابه سهلا هينا، يجازى على حسناته، ويتجاوز عن سيئاته، وهذا هو العرض كما جاء في الحديث الصحيح ﴿ وينقلب إلى أهله مسرورا ﴾ أي ويرجع إلى أهله في الجنة مبتهجا مسرورا بما أعطاه الله من الفضل والكرامة ﴿ وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره ﴾ أي وأما من أعطي كتاب أعماله بشماله من وراء ظهره، وهذه علامة الشقاوة ﴿ فسوف يدعوا ثبورا ﴾ أي يصيح بالويل والثبور، ويتمنى الهلاك والموت ﴿ ويصلى سعيرا ﴾ أي ويدخل نارا مستعرة، يقاسي عذابها وحرها ﴿ إنه كان في أهله مسرورا ﴾ أي لأنه كان في الدنيا مسرورا مع أهله، غافلا لاهيا، لا يفكر في العواقب، ولا تخطر بباله الآخرة قال ابن زيد: وصف الله أهل الجنة بالمخافة والحزن والبكاء في الدنيا، فأعقبهم به النعيم والسرور في الآخرة، ووصف أهل النار بالسرور في الدنيا والضحك فيها، فأعقبهم به الحزن الطويل ﴿ إنه ظن أن لن يحور ﴾ أي إنه ظن أن لن يرجع إلى ربه، ولن يحييه الله بعد موته للحساب والجزاء، فلذلك كفر وفجر ﴿ بلى إن ربه كان به بصيرا ﴾ أي بلى سيعيده الله بعد موته، ويجازيه على أعماله كلها خيرها وشرها، فإنه تعالى مطلع على العباد، لا تخفى عليه خافية من شئونهم ﴿ فلا أقسم بالشفق ﴾ ﴿ لا ﴾ لتأكيد القسم أي فأقسم قسما مؤكدا بحمرة الأفق بعد غروب الشمس ﴿ والليل وما وسق ﴾ أي وبالليل وما جمع وضم إليه، وما لف في ظلمته من الناس والدواب والهوام قال المفسرون: الليل يسكن فيه كل الخلق، ويجمع ما كان منتشرا في النهار من الخلق والدواب والأنعام، فكل يأوي إلى مكانه وسربه، ولهذا امتن تعالى على العباد بقوله