تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

68 - سورة القلم

68.1-52

اللغة: ﴿ يسطرون ﴾ يكتبون، سطر العلم كتبه بالقلم ﴿ ممنون ﴾ مقطوع يقال: مننت الحبل إذا قطعته ﴿ عتل ﴾ العتل: الغليظ الجافي، السريع إلى الشر، مأخوذ من العتل وهو الجر

خذوه فاعتلوه

[الدخان: 47] قال في الصحاح: عتلت الرجل إذا جذبته جذبا عنيفا ﴿ زنيم ﴾ الزنيم: الملصق بالقوم وليس منهم، وهو الدعي الذي لا يعرف أبوه قال الشاعر:

زنيم ليس يعرف من أبوه

بغي الأم ذو حسب لئيم

﴿ صارمين ﴾ صرم الشيء قطعه، وصرم النخلة قطع ثمرها ﴿ حرد ﴾ قصد وعزم ﴿ زعيم ﴾ كفيل وضمين ﴿ مكظوم ﴾ مملوء غيظا وغما.

التفسير: ﴿ ن والقلم وما يسطرون ﴾ نون حرف من الحروف المقطعة، ذكر للتنبيه على إعجاز القرآن.. أقسم تعالى بالقلم الذي يكتب الناس به العلوم والمعارف، فإن القلم أخو اللسان ونعمة من الرحمن على عباده والمعنى: أقسم بالقلم وما يكتبه الكاتبون على صدق محمد وسلامته مما نسبه إليه المجرمون من السفه والجنون، وفي القسم بالقلم والكتابة إشادة بفضل الكتابة والقراءة، فالإنسان من بين سائر المخلوقات خصه الله بمعرفة الكتابة ليفصح عما في ضميره

الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم

[العلق: 4-5] وحسبك دليلا على شرف القلم أن الله أقسم به في هذه السورة تمجيدا لشأن الكاتبين، ورفعا من قدر أهل العلم، ففي القلم البيان كما في اللسان، وبه قوام العلوم والمعارف قال ابن كثير: والظاهر من قوله تعالى ﴿ والقلم وما يسطرون ﴾ أنه جنس القلم الذي يكتب به، وهو قسم منه تعالى لتنبيه خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ﴿ مآ أنت بنعمة ربك بمجنون ﴾ أي لست يا محمد بفضل الله وإنعامه عليك بالنبوة بمجنون، كما يقول الجهلة المجرمون، فأنت بحمد الله عاقل لا كما قالوا

يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون

[الحجر: 6] قال ابن عطية: هذا جواب القسم، وقوله ﴿ بنعمة ربك ﴾ اعتراض كما تقول للإنسان: أنت - بحمد الله - فاضل ﴿ وإن لك لأجرا غير ممنون ﴾ أي وإن لك لثوابا على ما تحملت من الأذى في سبيل تبليغ دعوة الله غير مقطوع ولا منقوص ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ أي وإنك يا محمد لعلى أدب رفيع جم، وخلق فاضل كريم، فقد جمع الله فيك الفضائل والكمالات.. يا له من شرف عظيم، لم يدرك شأوه بشر، فرب العزة جل وعلا يصف محمدا بهذا الوصف الجليل ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ وقد كان من خلقه صلى الله عليه وسلم العلم والحلم، وشد الحياء، وكثرة العبادة والسخاء، والصبر والشكر، والتواضع والزهد، والرحمة والشفقة، وحسن المعاشرة والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العلية، والأخلاق المرضية ولقد أحسن القائل:

إذا الله أثنى بالذي هو أهله

عليك فما مقدار ما تمدح الورى؟

﴿ فستبصر ويبصرون ﴾ أي فسوف ترى يا محمد، ويرى قومك ومخالفوك - كفار مكة - إذا نزل بهم العذاب ﴿ بأييكم المفتون ﴾ أي أيكم الذي فتن بالجنون؟ هل أنت كما يفترون، أم هم بكفرهم وانصرافهم على الهدى؟ قال القرطبي: والمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان، ومعظم السورة نزل في " الوليد بن المغيرة " و " أبي جهل " وقد كان المشركون يقولون: إن بمحمد شيطانا، وعنوا بالمجنون هذا، فقال الله تعالى سيعلمون غدا بأيهم المجنون أي الشيطان الذي يحصل من مسه الجنون واختلاط العقل ﴿ إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ﴾ أي هو سبحانه العالم بالشقي المنحرف عن دين الله وطريق الهدى ﴿ وهو أعلم بالمهتدين ﴾ أي وهو العالم بالتقي المهتدي إلى الدين الحق، وهو تعليل لما قبله وتأكيد للوعد والوعيد كأنه يقول: إنهم هم المجانين على الحقيقة لا أنت، حيث كانت لهم عقول لم ينتفعوا بها، ولا استعملوها فيما ينجيهم ويسعدهم ﴿ فلا تطع المكذبين ﴾ أي فلا تطع رؤساء الكفر والضلال الذين كذبوا برسالتك وبالقرآن، فيما يدعونك إليه قال الرازي: دعاه رؤساء أهل مكة إلى دين آبائه، فنهاه الله أن يطيعهم، وهذا من الله إلهاب وتهييج للتشدد في مخالفتهم ﴿ ودوا لو تدهن فيدهنون ﴾ أي تمنوا لو تلين لهم يا محمد، وتترك بعض ما لا يرضونه مصانعة لهم، فيلينوا لك ويفعلوا مثل ذلك في التسهيل: المداهنة: هي الملاينة والمداراة فيما لا ينبغي، روي أن الكفار قالوا النبي صلى الله عليه وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك فنزلت الآية ﴿ ولا تطع كل حلاف ﴾ أي ولا تطع يا محمد كثير الحلف بالحق والباطل، الذي يكثر من الحلف مستهينا بعظمة الله ﴿ مهين ﴾ أي فاجر حقير ﴿ هماز ﴾ أي مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والعيب ﴿ مشآء بنميم ﴾ أي يمشي بالنميمة بين الناس، وينقل حديثهم ليوقع بينهم وهو الفتان، وفي الحديث الصحيح

صفوة التفاسير · الصفحة ٧٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ٧٥٢