. ولما طلبوا آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إلى ذلك ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ﴾ أي علامة ملكه واصطفائه عليكم ﴿ أن يأتيكم التابوت ﴾ أي يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال الزمخشري: صندوق التوراة الذي كان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون ﴿ فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة ﴾ أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار وفيه أيضا بقية من آثار آل موسى وآل هارون وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراة تحمله الملائكة، قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ أي إن في نزول التابوت لعلامة واضحة أن الله اختاره ليكون ملكا عليكم إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه وكانوا ثمانين ألفا أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد ﴿ قال إن الله مبتليكم بنهر ﴾ أي مختبركم بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين الأردن وفلسطين ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ أي من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر إرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب - ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإنه من جندي الذين يقاتلون معي ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ أي لكن من اغترف قليلا من الماء ليبل عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك، فأذن لهم برشفة من الماء تذهب بالعطش ﴿ فشربوا منه إلا قليلا منهم ﴾ أي شرب الجيش منه إلا فئة قليلة صبرت على العطش، قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة آلاف ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ أي لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب ورأوا كثرة عدوهم اعتراهم الخوف فقال فريق منهم ﴿ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ أي لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة ﴿ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ أي قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ﴾ أي كثيرا ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإنما النصر من عند الله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ أي ظهروا في الفضاء المتسع وجها لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرب على الحروب ﴿ قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا ﴾ دعوا الله ضارعين إليه بثلاث دعوات تفيد إدراك أسباب النصر فقالوا أولا: ربنا أفض علينا صبرا يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلا إلى قلوبنا وهي الدعوة الثانية ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده وهي الدعوة الثالثة قال تعالى إخبارا عنهم ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ أي هزموا جيش جالوت بنصر الله وتأييده إجابة لدعائهم وانكسر عدوهم رغم كثرته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ أي وقتل داود - وكان في جيش المؤمنين مع طالوت - رأس الطغيان جالوت واندحر جيشه ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء ﴾ أي أعطى الله تعالى داود الملك والنبوة وعلمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، قال ابن كثير: كان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ أي لولا أن يدفع الله شر الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة، لأن الشر إن غلب كان الخراب والدمار ﴿ ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ أي ذو تفضل وإنعام على البشر حيث لم يمكن للشر من الاستعلاء ﴿ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ﴾ أي ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة والقصص العجيبة التي وقعت في بني إسرائيل هي من آيات الله وأخباره المغيبة التي أوحاها إليك بالحق بواسطة جبريل الأمين ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ أي وإنك يا محمد لمن جملة الرسل الذين أرسلهم الله لتبليغ دعوة الله عز وجل.
صفوة التفاسير · الصفحة ٨٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
صفوة التفاسيرص ٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي