. ثم بين تعالى أنه قريب يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين فقال ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ أي أنا معهم أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم وأعلم حالهم كقوله
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
[ق: 16] ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ أي أجيب دعوة من دعاني إذا كان عن إيمان وخشوع قلب ﴿ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ﴾ أي إذا كنت أنا ربكم الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإيمان بي وطاعتي ودوموا على الإيمان لتكونوا من السعداء الراشدين.. ثم شرع تعالى في بيان تتمة أحكام الصيام بعد أن ذكر آية القرب والدعاء فقال ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم ﴾ أي أبيح لكم أيها الصائمون غشيان النساء في ليالي الصوم ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ قال ابن عباس: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ أي تخونونها بمقارفة الجماع ليلة الصيام وكان هذا محرما في صدر الإسلام ثم نسخ، روى البخاري عن البراء رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ الآية ﴿ فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ أي فقبل توبتكم وعفا عنكم لما فعلتموه قبل النسخ ﴿ فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ أي جامعوهن في ليالي الصوم واطلبوا بنكاحهن الولد ولا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ أي كلوا واشربوا إلى طلوع الفجر ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ أي أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إلى غروب الشمس ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ أي لا تقربوهن ليلا أو نهارا ما دمتم معتكفين في المساجد ﴿ تلك حدود الله فلا تقربوها ﴾ أي تلك أوامر الله وزواجره وأحكامه التي شرعها لكم فلا تخالفوها ﴿ كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ﴾ أي يتقون المحارم.
البلاغة: 1- ﴿ كما كتب ﴾ التشبيه في الفرضية لا في الكيفية أي فرض الصيام عليكم كما فرض على الأمم قبلكم وهذا التشبيه يسمى " مرسلا مجملا ".
2- ﴿ فمن كان منكم مريضا أو على سفر ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي من كان مريضا فأفطر، أو على سفر فأفطر فعليه قضاء أيام بعدد ما أفطر.
3- ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ في تفسير الجلالين قدره بحذف " لا " أي لا يطيقونه، ولا ضرورة لهذا الحذف لأن معنى الآية يطيقونه بجهد شديد وذلك كالشيخ الهرم والحامل والمرضع فهم يستطيعونه لكن مع المشقة الزائدة، والطاقة اسم لمن كان قادرا على الشيء مع الشدة والمشقة.
4- ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمى ب " طباق السلب ".
5- ﴿ الرفث إلى نسآئكم ﴾ الرفث كناية عن الجماع وعدي ب " إلى " لتضمنه معنى الإفضاء وهو من الكنايات الحسنة كقوله
فلما تغشاها
[الأعراف: 189] وقوله
فأتوا حرثكم
[البقرة: 223] وقوله ﴿ فالآن باشروهن ﴾ قال ابن عباس: إن الله عز وجل كريم حليم يكني.
6- ﴿ هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ استعارة بديعة شبه كل واحد من الزوجين لاشتماله على صاحبه في العناق والضم باللباس المشتمل على لابسه قال في تلخيص البيان: " المراد قرب بعضهم من بعض واشتمال بعضهم على بعض كما تشتمل الملابس على الأجسام فاللباس استعارة.
7- ﴿ الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ قال الشريف الرضي: وهذه استعارة عجيبة والمراد بها بياض الصبح وسواد الليل والخيطان ههنا مجاز وإنما شبههما بذلك لأن بياض الصبح يكون في أول طلوعه مشرقا خافيا، ويكون سواد الليل منقضيا موليا، فهما جميعا ضعيفان إلا أن هذا يزداد انتشارا وهذا يزداد استسرارا، وذهب الزمخشري إلى أنه من التشبيه البليغ.