إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا
[الفرقان: 44] ولهذا قال تعالى ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ أي صم عن سماع الحق، بكم أي خرس عن النطق به عمي عن رؤيته فهم لا يفقهون ما يقال لهم لأنهم أصبحوا كالدواب فهم في ضلالهم يتخبطون. وخلاصة المثل - والله أعلم - مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من سماع الصوت دون أن تفهم المعنى وهو خلاصة قول ابن عباس ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية والمعنى كلوا يا أيها المؤمنون من المستلذات وما طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إياه ﴿ واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ﴾ أي واشكروا الله على نعمه التي لا تحصى إن كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحدا سواه ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ﴾ أي ما حرم عليكم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير ﴿ ومآ أهل به لغير الله ﴾ أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات والعزى ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ﴾ أي فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات بشرط ألا يكون ساعيا في فساد، ولا متجاوزا مقدار الحاجة ﴿ فلا إثم عليه ﴾ أي فلا عقوبة عليه في الأكل ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ أي يغفر الذنوب ويرحم العباد ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ﴾ أي يخفون صفة النبي عليه السلام المذكورة في التوراة وهم اليهود قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ويشترون به ثمنا قليلا ﴾ أي يأخذون بدله عوضا حقيرا من حطام الدنيا ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ أي إنما يأكلون نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة لأن أكل ذلك المال الحرام يفضي بهم إلى النار ﴿ ولا يكلمهم الله يوم القيامة ﴾ أي لا يكلمهم كلام رضى كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله
اخسئوا فيها ولا تكلمون
[المؤمنون: 108] ﴿ ولا يزكيهم ﴾ أي يطهرهم من دنس الذنوب ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ أي عذاب مؤلم وهو عذاب جهنم ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل الإيمان ﴿ والعذاب بالمغفرة ﴾ أي واستبدلوا الجحيم بالجنة ﴿ فمآ أصبرهم على النار ﴾ أي ما أشد صبرهم على نار جهنم؟ وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على اقتراف أنواع المعاصي ثم قال تعالى مبينا سبب النكال والعذاب ﴿ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ﴾ أي ذلك العذاب الأليم بسبب أن الله أنزل كتابه
التوراة
[آل عمران: 3] ببيان الحق فكتموا وحرفوا ما فيه ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ أي اختلفوا في تأويله وتحريفه ﴿ لفي شقاق بعيد ﴾ أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشد العذاب.
سبب النزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمر محمد وأمر شرائعه فنزلت ﴿ إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب.. ﴾ الآية.
البلاغة: 1- ﴿ خطوات الشيطان ﴾ استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره قال في تلخيص البيان: وهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعته فيما يأمر به وقبول قوله فيما يدعو إلى فعله.
2- ﴿ السوء والفحشآء ﴾ هو من باب " عطف الخاص على العام " لأن السوء يتناول جميع المعاصي، والفحشاء أقبح وأفحش المعاصي.
3- ﴿ ومثل الذين كفروا ﴾ فيه تشبيه (مرسل ومجمل) مرسل لذكر الأداة ومجمل لحذف وجه الشبه فقد شبه الكفار بالبهائم التي تسمع صوت المنادي دون أن تفقه كلامه وتعرف مراده.
4- ﴿ صم بكم عمي ﴾ حذفت أداة الشبه ووجه الشبه فهو " تشبيه بليغ " أي هم كالصم في عدم سماع الحق وكالعمي وكالبكم في عدم الانتفاع بنور القرآن.