تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر تعالى بعد أدلة التوحيد الحجة على النبوة، وأقام البرهان على إعجاز القرآن فقال ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ﴾ أي وإذا كنتم أيها الناس في شك وارتياب من صدق هذا القرآن، المعجز في بيانه، وتشريعه، ونظمه، الذي أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ أي فأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان ﴿ وادعوا شهدآءكم من دون الله ﴾ أي وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن غير الله سبحانه، والمراد استعينوا بمن شئتم غيره تعالى قال البيضاوي: المعنى أدعوا للمعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا الله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي أنه مختلق وأنه من كلام البشر، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي فإن لم تقدروا على الإتيان بمثل سورة من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء ﴿ ولن تفعلوا ﴾ أي ولن تقدروا في المستقبل أيضا على الإتيان بمثله، والجملة اعتراضية للإشارة إلى عجز البشر في الحاضر والمستقبل كقوله

لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا

[الإسراء: 88] أي معينا قال ابن كثير: تحداهم القرآن وهم أفصح الأمم ومع هذا عجزوا، و ﴿ لن ﴾ لنفي التأبيد في المستقبل أي ولن تفعلوا ذلك أبدا، وهذه أيضا معجزة أخرى وهو أنه أخبر خبرا جازما قاطعا، غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية، من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، والقرآن جميعه فصيح في غاية نهايات الفصاحة والبيان عند من يعرف كلام العرب، ويفهم تصاريف الكلام ﴿ فاتقوا النار ﴾ أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين ﴿ التي وقودها الناس والحجارة ﴾ أي اتقوا النار التي مادتها التي تشعل بها وتضرم لإيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله كقوله تعالى

إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم

[الأنبياء: 98] قال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة يعذبون بها مع النار ﴿ أعدت للكافرين ﴾ أي هيئت تلك النار وأرصدت للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين.

ثم لما ذكر ما أعده لأعدائه، عطف عليه بذكر ما أعده لأوليائه، على طريقة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، للمقارنة بين حال الأبرار والفجار فقال ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي وبشر يا محمد المؤمنين المتقين، الذين كانوا في الدنيا محسنين، والذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ﴿ أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي بأن لهم حدائق وبساتين ذات أشجار ومساكن، تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة ﴿ كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ﴾ أي كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقا من ثمار الجنة ﴿ قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ﴾ أي هذا مثل الطعام الذي قدم إلينا قبل هذه المرة قال المفسرون: إن أهل الجنة يرزقون من ثمارها، تأتيهم به الملائكة، فإذا قدم لهم مرة ثانية قالوا: هذا الذي أتيتمونا به من قبل فتقول الملائكة: كل يا عبد الله فاللون واحد والطعم مختلف قال تعالى ﴿ وأتوا به متشابها ﴾ أي متشابها في الشكل والمنظر، لا في الطعم والمخبر قال ابن جرير: يعني في اللون والمرأى وليس يشبهه في الطعم قال ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء ﴿ ولهم فيهآ أزواج مطهرة ﴾ أي ولهم في الجنة زوجات من الحور العين مطهرات من الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية قال ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى وقال مجاهد: مطهرة من الحيض والنفاس، والغائط والبول والنخام، وورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكن يوم القيامة أجمل من الحور العين كما قال تعالى

صفوة التفاسير · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

صفوة التفاسيرص ١١