46.7-12
للحق: للقرآن. افتراه: كذب به. فلا تملكون لي من الله شيئا: لا تغنون عني شيئا ان اراد الله عقابي. تفيضون فيه: تخوضون فيه من تكذيب القرآن. ما كنت بدعا من الرسل: هناك قبلي رسل كثير، فما أنا أول رسول لا مثيل لي.
بعد أن قرر الله تعالى وحدانيته وثبتها، ونفى الأضداد وكل ما يعبد غيره - يقرر هنا أن رسالة سيدنا محمد حق، و ان الرسول كلما تلا على مشركي قومه شيئا من القرآن قالوا إنه سحر، بل زادوا في تكذيبه فقالوا انه افتراه. ويرد الله عليهم بأنه لو افتراه على الله فمن يمنع الله من عقابه!! والله هو العليم بما يخوضون فيه من أحاديث وتكذيب!
﴿ كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ﴾.
كفى بالله شهيدا لي بالصدق، وشهيدا عليكم بالكذب. ثم يجيء التعقيب اللطيف: ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ فان الله مع كل هذا الكفر والعناد من المشركين يبقي باب التوبة والمغفرة والرحمة مفتوحا دائما، فلا يقنط من رحمته أحد.
ثم يأمر رسوله الكريم أن يقول لهم: إني لست أول رسول من عند الله فتنكروا رسالتي، ولست أعلم ما يفعل الله بي ولا بكم، وما أتبع فيما أقول أو أفعل إلا ما يوحيه إلي الله ﴿ ومآ أنا إلا نذير مبين ﴾.
﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾.
يقول معظم المفسرين: إن هذه الآية بالذات مدنية، قد نزلت في عبد الله بن سلام، وكان من أكبر علماء بني إسرائيل، أسلم بالمدينة، وأحدث إسلامه ضجة عند اليهود، وقصته طويلة يرجع إليها في كتب الحديث والسيرة.
ويكون المعنى: قل لهم أيها الرسول: أخبروني إن ثبت أن القرآن حق من عند الله، وآمن به عالم من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام الذي يدرك أسرار الوحي ويشهد ان القرآن من عند الله كالتوراة التي أنزلها الله على موسى... ماذا يكون حالكم إذا بقيتم على ضلالكم وكفركم؟ افلا تكونون من الظالمين؟.
وقال جماعة من المفسرين: ان الشاهد موسى بن عمران، وان التوراة مثل القرآن كلاهما من عند الله، وان موسى شهد على التوراة، ومحمد شهد على القرآن صلى الله عليهما وسلم. وهذا ما يرجحه الطبري، لأن السورة مكية، فيما اسلم عبد الله بن سلام بالمدينة بعد الهجرة.
ثم حكى عن المشركين شبهة أخرى بشأن إيمان من آمن من المسلمين من الفقراء كعمار وصهيب وابن مسعود وغيرهم فقالوا: لو كان هذا الدين خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء الضعفاء من الناس، وانما قرآن محمد افك قديم من أساطير الاولين.
وقد رد الله عليهم طعنهم هذا في القرآن وأثبت صحته فقال:
﴿ ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين ﴾.
القرآن كالتوراة التي نزلت على موسى، كل منهما إمام ورحمة لمن آمن به وعمل بموجبه، وقد بشرت التوراة بسيدنا محمد:
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر
[الأعراف: 157]. وهذا القرآن مصدق بالتوراة وما قبله من الكتب، وينطق بلسانكم أيها العرب، وينذر من أساء بالعذاب، ويبشر من أحسن بالثواب، فكيف يكون إفكا قديما، وسحرا وأساطير؟
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وابن كثير: لتنذر بالتاء. والباقون: بالياء.