ثم خص تعالى مخلوقات أخر بالاستعاذة من شرها، لظهور ضررها وعسر الاحتياط منها. فلا بد من الفزع إلى الله والاستنجاد بقدرته الشاملة على دفع شرها، فقال سبحانه: ﴿ ومن شر النفاثات في العقد ﴾ قال ابن جرير: أي: ومن شر السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، وبه قال أهل التأويل. فعن مجاهد: الرقي في عقد الخيط. وعن طاوس: ما من شيء أقرب إلى الشرك من رقية المجانين. ومثله عن قتادة والحسن. وقال الزمخشري: النفاثات: النساء أو الجماعات السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها ويرقين. والنفث: النفخ مع ريق. ولا تأثير لذلك، اللهم إلا إذا كان ثم إطعام شيء ضار أو سقيه أو إشمامه، أو مباشرة المسحور به على بعض الوجوه. ولكن الله عز وجل قد يفعل عند ذلك فعلا على سبيل الامتحان الذي يتميز به الثبت على الحق من الحشوية والجهلة من العوام، فينسبه الحشوية والرعاع إليهن وإلى نفثهن. والثابتون بالقول الثابت لا يلتفتون إلى ذلك ولا يعبؤون به.
فإن قلت: فما معنى الاستعاذة من شرهن؟ قلت: فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يستعاذ من عملهن الذي هو صنعة السحر، ومن إثمهن في ذلك.
والثاني: أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن وما يخدعنهم به من باطلهن.
الثالث: أن يستعاذ مما يصيب الله به من الشر عند نفثهن. انتهى.
وفي الآية تأويل آخر، وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله. قال: النفاثات النساء. والعقد عزائم الرجال وآراؤهم، مستعار من عقد الحبال. والنفث وهو تليين العقدة من الحبل بريق يقذفه عليه ليصير حبله سهلا.
فمعنى الآية: إن النساء لأجل كثرة حبهن في قلوب الرجال يتصرفن في الرجال يحولنهم من رأي إلى رأي ومن عزيمة إلى عزيمة. فأمر الله رسوله بالتعوذ من شرهن. كقوله:
إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم
[التغابن: 14] فكذلك عظم الله كيدهن فقال:
إن كيدكن عظيم
[يوسف: 28].
تنبيه
قال الشهاب: نقل في التأويلات عن أبي بكر الأصم أنه قال: إن حديث سحره صلوات الله عليه، المروي هنا، متروك لما يلزم من صدق قول الكفرة أنه مسحور. وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه. ونقل الرازي عن القاضي أنه قال: هذه الرواية باطلة. وكيف يمكن القول بصحتها، والله تعالى يقول:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67]. وقال:
ولا يفلح الساحر حيث أتى
[طه: 69] ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة. ولأنه لو صح ذلك، لكان من الواجب أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء والصالحين، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم، وكل ذلك باطل. ولكان الكفار يعيرونه بأنه مسحور. فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة، ولحصل فيه، عليه السلام ذلك العيب. ومعلوم أن ذلك غير جائز. انتهى.
ولا غرابة في أن لا يقبل هذا الخبر لما برهن عليه، وإن كان مخرجا في الصحاح. وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالما من النقد، سندا أو معنى. كما يعرفه الراسخون. على أن المناقشة في خبر الآحاد معروفة من عهد الصحابة.
قال الإمام الغزالي في (المستصفى): ما من أحد من الصحابة إلا وقد رد خبر الواحد. كرد علي رضي الله عنه خبر أبي سنان الأشجعي في قصة (بروع بنت واشق) وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث. وكرد عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. وظهر من عمر نهيه لأبي موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وأمثال ذلك مما ذكر. أورد الغزالي ذلك في مباحث (خبر الآحاد في شبه المخالفين فيه). وذكر رحمه الله في (مباحث الإجماع) إجماع الصحابة على تجويز الخلاف للآحاد، لأدلة ظاهرة قامت عندهم.
وقال الإمام ابن تيمية في (المسودة): الصواب أن من رد الخبر الصحيح كما كانت الصحابة ترده، لاعتقاده غلط الناقل أو كذبه، لاعتقاد الراد أن الدليل قد دل على أن الرسول لا يقول هذا. فإن هذا لا يكفر ولا يفسق. وإن لم يكن اعتقاده مطابقا، فقد رد غير واحد من الصحابة غير واحد من الأخبار التي هي صحيحة عند أهل الحديث. انتهى.