تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

89.15-16

قوله تعالى: ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ﴾ أي: بالغنى واليسار ﴿ فيقول ربي أكرمن ﴾ أي: فضلني، لما لي عنده من الكرامة ﴿ وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ﴾ أي: ضيقه عليه وقتره، فلم يكثر ماله ولم يوسع عليه ﴿ فيقول ربي أهانن ﴾ أي: أذلني بالفقر. وذلك لسوء فكره وقصور نظره في الحالين. فإنه إنما ابتلاه بالغنى ليقوم بواجبه ويعرف حق الله فيه. وبالفقر ليظهر بمظهر العفاف ويتخلق بخلق الصبر على الكفاف. ففي كل ابتلاء وامتحان ليميز الله الخبيث من الطيب. ونظير الآية، آية

ونبلوكم بالشر والخير فتنة

[الأنبياء: 35] وآية

أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون

[المؤمنون: 55 - 56] وآية

إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين

[المعارج: 19 - 22].

89.17-20

قوله تعالى: ﴿ كلا ﴾ ردع عن قوليه في حاليه. أعني: اعتقاد الإكرام في الإعطاء، والإهانة في المنع، بل لطلب الشكر. وهو صرف النعم إلى ما خلقت له، وإعطاء المال لذويه، وأحقهم الأيتام وهم لا يفعلونه، كما قال: ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ﴾ وهو من فقد كافله ومربيه. فإن من آكد الواجبات القيام على تأديبه وكفالته، صونا له إذا أهمل من فساد طبيعته وعيثه بالضرر في أهل جبلته. ومثله التحاض على مواساة البؤساء. وهؤلاء المنعي عليهم ضلالهم في غفلة عنه، كما قال: ﴿ ولا تحآضون على طعام المسكين ﴾ أي: لا يحض بعضكم بعضا عليه ولا يتواصى به.

قال الإمام: وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام فيقول: (ولم تطعموا المسكين) ليصرح لك بالبيان الجلي أن أفراد الأمة متكافلون. وإنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع التزام كل لما يأمر به، وابتعاده عما ينهى عنه.

لطيفة

قال القاشاني: في دلالة قوله تعالى:

فأما الإنسان...

[الفجر: 15] إلخ، أي: الإنسان يجب أن يكون في مقام الشكر أو الصبر بحكم الإيمان، لحديث

" الإيمان نصفان. نصف: صبر، ونصف شكر "

لأن الله تعالى إما أن يبتليه بالنعم والرخاء، فعليه أن يشكره باستعمال نعمته فيما ينبغي من إكرام اليتيم وإطعام المسكين وسائر مراضيه. ولا يكفر نعمته بالبطر والافتخار فيقول: إن الله أكرمني لاستحقاقي وكرامتي عنده. ويترفه في الأكل ويتحجب بمحبة المال وبمنع المستحقين. أو بالفقر وضيق الرزق فيجب عليه أن يصبر ولا يجزع ولا يقول: إن الله أهانني. فربما كان ذلك إكراما له. بأن لا يشغله بالنعمة عن المنعم، ويجعل ذلك وسيلة له في التوجه إلى الحق والسلوك في طريقه لعدم التعلق، كما أن الأول ربما كان استدراجا منه. انتهى.

﴿ وتأكلون التراث أكلا لما ﴾ قال ابن جرير: أي: تأكلون الميراث أكلا شديدا، لا تتركون منه شيئا. من قولهم: (لممت ما على الخوان أجمع فأنا ألمه لما) إذا أكلت ما عليه فأتيت على جميعه.

قال ابن زيد: كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار، وقرأ

ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب في يتمى النسآء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدن

[النساء: 127] أي: لا تورثونهن أيضا. وقال بكر بن عبد الله: اللمم: الاعتداء في الميراث. يأكل ميراثه وميراث غيره ﴿ وتحبون المال حبا جما ﴾ أي: جمعه وكنزه، حبا كثيرا شديدا.

محاسن التأويل · الصفحة ٣٠١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٣٠١٦