تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم من كان إذا قربت امرأته من الوضع، حفر حفرة لتتمخض على رأس الحفرة. فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة. وإن ولدت ابنا حبسته. وقد اشتهر صعصعة بن ناجية ابن عقال، جد الفرزدق بن غالب، بأنه كان ممن فدى الموءودات في الجاهلية، ونهى عن قتلهن. قيل: إنه أحيا ألف موءودة، وقيل دون ذلك. وقد افتخر الفرزدق بهذا في قوله:

ومنا الذي منع الوائدات

وأحيا الوئيد فلم يوأد

وفي قوله أيضا:

أنا ابن عقال وابن ليلى وغالب

وفكاك أغلال الأسير المكفر

وكان لنا شيخان ذو القبر منهما

وشيخ أجار الناس من كل مقبر

على حين لا تحيي البنات وإذ هم

عكوف على الأصنام حول المدور

أنا ابن الذي رد المنية فضله

وما حسب دافعت عنه بمعور

أبي أحد الغيثين صعصعة الذي

متى تخلف الجوزاء والنجم يمطر

أجار بنات الوائدين ومن يجر

على القبر، يعلم أنه غير مخفر

وفارق ليل من نساء أتت أبى

تعالج ريحا ليلها غير مقمر

فقالت: أجر لي ما ولدت فإنني

أتيتك من هزلي بالحمولة مقتر

رأى الأرض منها راحة فرمى بها

إلى خدد منها وفي شر محفر

فقال لها: نامي فأنت بذمتي

لبنتك جار من أبيها القنور

وروى أبو عبيدة:

" أن صعصعة - هذا - وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم. قال: وكان صعصعة منع الوأد في الجاهلية، فلم يدع تميما تئد وهو يقدر على ذلك. فجاء الإسلام وقد فدى في بعض الروايات أربعمائة موءودة، وفي أخرى ثلاثمائة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي! أوصني. فقال: " أوصيك بأمك وأبيك وأختك وأخيك وأدانيك أدانيك ". فقال: زدني. فقال عليه الصلاة والسلام: " احفظ ما بين لحييك ورجليك ". ثم قال عليه الصلاة والسلام: " ما من شيء بلغني عنك فعلته؟ " فقال: يا رسول الله، رأيت الناس يموجون على غير وجه ولم أدر أين الصواب. غير أني علمت أنهم ليسوا عليه. فرأيتهم يئدون بناتهم، فعرفت أن ربهم عز وجل لم يأمرهم بذلك. فلم أتركهم. ففديت ما قدرت عليه "

ويقال: إنه اجتمع جرير والفرزدق يوما عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا. فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى. فقال له سليمان: أنت ابن محيي الموتى؟ فقال: إن جدي أحيا الموءودة، وقد قال الله تعالى:

ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

[المائدة: 32] وقد أحيا جدي اثنتين وتسعين موءودة، فتبسم سليمان. وقال: إنك مع شعرك لفقيه. نقله المرتضى في (أماليه). وبالجملة، فكان الوأد عادة من أشنع العوائد في الجاهلية، مما يدل على نهاية القسوة وتمام الجفاء والغلظة.

قال الإمام: انظر إلى هذه القسوة وغلظ القلب وقتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر والعار، كيف استبدلت بالرحمة والرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب؟ فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحو هذه العادة القبيحة. انتهى.

ومن أثر نعمته أن صار أدباء الصدر الأول يصوغون في مدحهن ما هو أبهى من عقود الجمان؛ فمن ذلك قول معن بن أوس:

رأيت رجالا يكرهون بناتهم

وفيهن، لا نكذب، نساء صوالح

وفيهن والأيام يعثرن بالفتى

خوادم لا يمللنه ونوائح

وقال العلوي الجماني، في صديق له ولدت له بنت فسخطها، شعرا:

قالوا له: ماذا رزقتا

فأصاخ ثمت قال: بنتا

وأجل من ولد النساء

أبو البنات. فلم جزعتا

إن الذين تود من

بين الخلائق ما استطعتا

نالوا بفضل البنت ما

كبتوا به الأعداء كبتا

وحكي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ابنته. فقال: من هذه يا معاوية؟ فقال: هذه تفاحة القلب وريحانة العين وشمامة الأنف. فقال: أمطها عنك. قال: ولم؟ قال: لأنهن يلدن الأعداء، ويقربن البعداء، ويورثن الشحناء، ويثرن البغضاء. قال: لا تقل ذلك يا عمرو! فوالله ما مرض المرضى، ولا ندب الموتى، ولا أعان على الزمان، ولا أذهب جيش الأحزان مثلهن، وإنك لواجد خالا قد نفعه بنو أخته، وأبا قد رفعه نسل بنيه. فقال: يا معاوية!، دخلت عليك وما على الأرض شيء أبغض إلي منهن. وإني لأخرج من عندك وما عليها شيء أحب إلى منهن. وفي رقعة للصاحب بالتهنئة بالبنت: أهلا وسهلا بعقيلة النساء وأم الأبناء وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون:

محاسن التأويل · الصفحة ٢٩٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٢٩٨٠