الشهيد أبو حامد الغامدي (عبد الواحد حامد آل حمدان الغامدي):
الساعة الثالثة تقريبا قبل الفجر رن جرس التلفون فهببت من نومي لأرد عليه وإذا بصوت متهدج يقطعه البكاء ويقول: معذرة لإزعاجك فما كنت لأزعجك لولا أني أريد الاستفتاء في أمري, لقد انتهت محاضرة الشيخ تميم قبل قليل وسألته في أمر قدومي فأشار إلي بالقدوم رغم أن أمي تحمل في طيات قلبها جلطة قد تودي بحياتها لأول هزة ووالدي يجري السكر في دمائه عاليا مقلقا.
إلا أن استشهاد أخي أبي حامد ومحاضرة الشيخ تميم قد جعلتني أزهد في الحياة, ومن تكون يا أخي? فأجاب إنني أبو سليمان الحضرمي ولكني تركت كلمة حضرمي حتى لا يشم منها رائحة القومية الجاهلية المنتنة, فأنا (أبو سليمان المهاجر).
وأخذ أبو سليمان يعدد على التلفون مناقب -أخيه في الله- عبد الواحد الغامدي فقال: جمعني الله وإياه في شقة واحدة في سكن الحرم الجامعي عمارة (8) شقة (203) , وكان في الغرفة الرابعة فكان يطلب مني أن أترك باب البلكونة مفتوحا ويعتذر أنه قد يحتاج من ثلاجتي في الليل كأس ماء باردة أو حبة فاكهة ولكن الحقيقة غير ذلك, فقد كان إذا هجع الناس في مراقدهم وانتصف الليل وتجاوز إلى الواحدة قام أبو حامد وتوضأ وبدأ صلاته وكان طويل القيام فكنت أراه ركعته قد يمتد بها الزمن ثلث أو نصف ساعة, فهو قو ام صو ام, وممن تعلم قيام الليل? لعله من أحد أساتذته أو زملائه العابدين في قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز, ولعله من أحد مشايخه في الباحة التي كانت مسقط رأسه وعلى أرضها درج وقضى لبانة شبابه أو لعل أحد أشقائه الذين يعملون في الرياض والطائف قد أثر عليه بسمته ودله وسلوكه أما والده فقد مضى إلى الله -عز وجل- منذ فترة.
وفي جلال أباد: وفي العشر الأواخر وأثناء الفتوحات المؤزرة كنت في مغارة على مقربة من المعركة ترامى إلى مسامعي صوت أبي الزبيروالله أعلم- على اللاسلكي الذي يتابع أخبار المعركة قائلا: لقد استشهد أبو حامد الغامدي, وهكذا مضى على الطريق أسد من أسود الله يسطر بدمه التاريخ الإسلامي ويمهد بتضحيته الطريق إلى المجتمع الإسلامي الذي تنعقد الآمال على الله لإقامته من جديد.
الشهيد أبو أحمد الجزائري (فوزي بن علي):
في بيت القائد (ملا تاج محمد) في العاشر من شوال سنة (9041 هـ) حيث ذهبت مع لفيف من الإخوة الأحبة لزيارته إثر إصابته وإذا بمجموعة من الإخوة الجزائريين الذين نعموا بصحبته في أرض الجهاد يكتنفونه وإذا بحضرة بلال -أخ عربي قد أصيبت رجله يفتح كيسا صغيرا من ورق البلاستيك وفيه قطعة قماش مضمخة بالدماء, طلب منا أن نستنشق اريجها العطر ونتنسم شذاها العبق ثم قال على مسمع من إخوانه الذين شهدوا شهادة فوزي: (هذه دماء فوزي) , لقد كانت رائحة زكية فاستأذنته لآخذها إلى البيت حتى يستروحوا أريجها الطيب وأخذتها إلى البيت وشمتها النساء, كان هذا بعد استشهاد فوزي بتسعة عشر يوما , ثم قال بلال: لا بد أن يشم أهل الشهيد هذه الرائحة.
فمن هو فوزي? من الوادي, ذلك المكان الذي أقبل منه صفوة أبناء الجزائر, وتجد كوكبة الفرسان الجزائرية التي قذف بها الوادي إلى أتون معركة الإسلام في أفغانستان من خيرة الإخوة أدبا ورجولة وحياء وطاعة.
ولذا فإني أسميه (وادي أبي ابراهيم) وحق لنا أن نسميه كذلك, إذ كان هذا الليث الذي ني ف على الخمسين طليعة قومه إلى الجهاد وعاد إليهم والرائد لا يكذب أهله فبدأت الأسود تنطلق من عرينها -الوادي- وتقبل على أرض (سرخ رود) وكابل وقد تعرفت في صدا على شاب اسمه (أبو علي) من الوادي وكنت عندما أتحدث عن قضية فقهية يرد علي بالفقه المالكي فسميته (أبو علي المالكي) وأنهى أبو علي دورته وتوجه إلى شكردرا على مشارف كابل حيث تحتدم المعارك ويصطلي بنيرانها غلظ الرقاب من الأسود الضواري, وشرح الله صدر أبي علي للاستقرار هناك حيث أصبحت المنطقة وبعد سنة تردد اسم أبي علي وأصبح قريبا إلى قلوب القادة (ناصر, وأنور, وتاج محمد, ووسيل) ومحورا يتحرك بينهم وأقبل أهل الوادي إلى واد آخر (انتقل أهل وادي سوف الجزائري إلى وادي السكر الأفغاني) لأن شكردرا تعني - وادي السكر- والتفوا حول أبي علي الذي نضج مع حرارة المعركة وضخامة التجربة فأصبحت وأنت تجلس إليه كأنك تجلس مع رجل في العقد الخامس من عمره لما تسمع من حكمة القول وحسن التصرف وأدب المعايشة مع الأفغان والعرب.
دراسته: كان فوزي كما يصفه صديق العمر ورفيق المسيرة -حذيفة الجزائري- خارق الذكاء حاضر البديهة وقد عرف بهذه الصفة بين أقرانه حيث كان الملجأ للكثيرين من أنداده الذين يعيشون في معهد العلوم الدقيقة في (عنابة) فكانوا كلما أعضلت عليهم مسألة رياضية توجهوا إليه ليجدوا حلها.
أمر يحزنني: ومما يحز في نفسي ويؤلمني أن العقليات الرائعة والأفذاذ ممن من الله -عز وجل- عليهم بنعمة الذكاء يتوجهون لدراسة الهندسة والطب والصيدلة, أما دين الله الذي يدرس في كلية الشريعة فيشكو إلى الله أبناء الدعوات وأصحاب الحركات الذين يتجهون إلى الكليات العلمية التطبيقية -الطب والهندسة- ويتركونه ولا