كلما لاح ذكره في خيالي ... طاولت عزمتي قو ى الكفران
في رحلة الخلود الشهيد عثمان (خالد الكردي)
فقد كانت النفوس لا زالت متعلقة بمناسك الحج, أرواحها تطوف بالبيت بعد أن طافت أجسادها صور مواكب الحجيج من كل فج عميق لازالت عالقة في أذهانها, خيام منى, مسجد نمرة ومسجد الخيف ومآذن المسجد الحرام التي تناطح عنان السماء, وفود الرحمن التي تتوق لسماع أخبار المسلمين خاصة قضية أفغانستان كل هذه الأشباح والأرواح والصور لا زالت تسيطر على القلب والنفس والروح, فاتصلت بالدكتور أبي حذيفة في بيشاور لأسأله عن أخبار الجهاد والقوى الروسية وأنباء الأنتصارات وإذا به يفاجئني بنبأ استشهاد أخينا خالد الكردي (عثمان) وبعدها بيوم أو يومين وإذا بالأخوة يخبروننا بالهاتف وأنا لا زلت في البلد الحرام بنبأ استشهاد سيد القلشي (عبد المنان) وسيد محمد عبد المجيد (عبد الرحمن المصري) وهكذا سقطت أعمدة ثلاثة من حملة المأسدة.
واهتزت القاعدة لفقدان ثلاثة من أحجار الأساس الذي ترتكز عليها هذه القاعدة التي ضمت صفوة أبناء العالم الإسلامي.
كان جرحا عميقا في أحشائنا ... وكلما أليما ... في أعماقنا
لقد نكأتم جراحا في جوانحنا ... وقد افضتم دموعا من مآقينا وذكرني استشهادهم بمن سبقوهم على الطريق وقلت في نفسي هؤلاء الذين بنوا هذا المركز بعرقهم ضمخوا تربته أخيرا بدمائهم.
مضى أولا أبو الذهب وجرح أسامة ثم سقط هؤلاء الثلاثة دفعة واحدة وكانوا تلاد المأسدة (تراثها ومالها القديم) وكانوا لها جذيلها المحكك وعذيقها المرجب لقد كانوا عمادها وتلادها وأثافيها, وهنا أردد.
أنأسو أم نقيم على الجراح ... ونرثي أم يعد من النواح
ونشكوا بثنا أم قد كفانا ... بأن الرزء اكبر من فصاح
لقد جل المصاب فكم رزئنا ... ورزء اليوم جل عن البواح
قلت سبحان الله, كان الثلاثة يريدون أن يتوجهوا للبيت العتيق فحالت دون ذلك مشاكل الطريق, كان الثلاثة قد أعدوا أنفسهم للزواج فقد خطب عبد المنان ونوى عبد الرحمن وأما عثمان فكان يقول: الزواج فرض عين وأنا لابد أن أذهب لأتزوج ثم أرجع, (وربك يخلق ما يشاء ويختار ماكان لهم الخير).
كم حاول الثلاثة أن يصلوا إلى بيشاور في رحلتهم نحو بلادهم للحج أولا ثم للزواج ولكن الله يختار لعبده خيرا مما يختاره لنفسه. أرادوها سفرة ليطفئوا ظمأهم وشوقهم لبيت الله فأبا الله إلا أن تكون السفرة النهائية وبهذه الخاتمة المشرفة والنهاية المشرقة ونرجوا الله ان تكون الجنة هي دار المقام في مقعد صدق في دار السلام مع رضا الله السلام.
أرادوها زواجا من امرأة من نساء الدنيا يتحملون على كواهلهم ديون الزواج ونفقات العرس فأبى الله أن يزوجهم -أن تقبل شهادتهم- إلا بأثنتين وسبعين من الحور العين. (فيهن خيرات حسان حور مقصورات في الخيام). بلا مؤنة مكلفة ولا تكاليف باهضة هناك حيث (ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين).
لقد ضاقت نفوسهم وصدورهم وهم يصدون على أبواب بارشنار يريدون أن يقضوا لبانة نفوسهم وينفذوا أمانيهم ولكن الله عز وجل يريد لهم مقاما أمينا -كما نأمل من الله ونرجو- يلبسون من سندس واستبرق متقابلين على سرر مصفوفة.
لقد تمنوا أن يحضروا أيام التشريق في منى ليروا لحوم الهدي مشرقة (معرضة للشمس للمشرق لتجف وتحفظ فكانت لحومهم هي الهدي في يوم الجمعة (31) ذي الحجة في آخر أيام التشريق يجمعها الله من حواصل الطيور وبطون السباع.
وأنفس قد شراها الله صادقة ... أقوى من الموت والتشريد والألم