وكان بمقدورهم أن يجدوا أماكنهم بين صفوف الذين ينتظرون حزمة البرسيم أو قطعة القماش أو لقمة الطعام ولكن كم كانوا يخسرون?
(كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعني الكبير: معنى زهادة الحياة بلا عقيدة وبشاعتها بلا حرية وانحطاطها حين يسيطر الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد) سيد قطب الظلال (6/ 4783).
إن دم خالد قبل أن يسقط على الأرض قد جرى فى عروق الأمة الإسلامية التي كادت تجف فأعاد إليها الحياة.
وإن أنفاس عبد المنان الأخيرة قبل أن يلفظها قد انتقلت إلى جسد الأمة الذي كاد يموت فيعيد إليها أنفاس الحياة.
وإن روح عبد الرحمن التي فاضت في جاجي دبت في جثمان الكثيرين فأعادت إليها الروح بعد أن كانت هامدة لا حراك فيها.
وصية الشهيد عبدالرحمن:
بسم الله الرحمن الرحيم
أبي وأمي وإخوتي: سلام الله عليكم جميعا , أودعكم لكي الحق بمجموعة الشهداء بالفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا, أسأل الله أن يجمعني بهم بحسن الظن بالله 000وإنها بشرى لكم أنكم ستجدون شهيدا يشفع لكم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون (يوم يفر المرء من اخيه, وأمه وأبيه) , وأرجو أن تسامحوني على عدم اخباركم بذهابي إلى أرض الجهاد, وانما قد أمرني الله تعالى وأمر كل مسلم مؤمن بالجهاد, فقدمت إلى الله 000 رضي الله عليكم, وأسأل الله أن يجمعنا في الجنة كي تعرفوا سبب اسراعي إلى الجهاد00 ولاتنسوا أن تدعوا لي دائما بالمغفرة والرحمة والله الوكيل0
والدي العزيز: أرجو أن تعطي أخي مجدي عشرة جنيهات ثمن إيجار الفيديو, وأن تقول لعبد الحكيم أن يسأل جمعة مفتاح كم يريد مني, ويعطيه حوالي (213) جنيه00 وأرجو أن تسامحني على تقصيري في حقوقكم كثيرا , وخاصة أنت يا أبي, فقد عرفت فضلك وتعبك معي وعلى عندما تركتك, وكذلك والدتي الحنونة عرفت قدرها وتعبها عند الفراق, ولكن ربنا يسامحني ويغفر لي على تقصيري معكم, كذلك إخوتي الأحباء وحنيتهم الحفية هداهم الله جميعا وجعلهم من الصالحين 00
أرجو ألا تحزنوا, بل افرحوا ولا تصنعوا شيئا مخالفا للسنة, وقولوا إنا لله وإنا إليه راجعون, حفظكم الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته0
إبنكم/ عبدالرحمن المصري
مسك أهل القرآن هشام وزكريا الفلسطيني
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده ففي المسجد حيث الدعاء بعد صلاة العصر قد توجه إلى الله من قلوب ضارعة إلى ربها أن يتقبل ومن نفوس مخبتة إلى خالقها أن يثيب, وكانت الأفئدة لا زالت تعيش محلقة في الأجواء تحاول أن تعيش مع الشهداء الذين سمعت قصصهم العجيبة في خطبة الجمعة قبل ثلاث ساعات وإذا بأبي عمار اليماني يقبل من بعيد ولا يزال نقع (غبار) المأسدة يغطي وجهه يتأبط حقيبته التي لاتعرف لها لونا تحمل معها طين المأسدة وغبار الفخار ووحل الرباط الحبيب ودوي الخبر المروع الذي هز النفوس من أعماقها: لقد استشهد اثنان من إخواننا أثر تفجر مدفع الهاون بهما وجرح أخ ثالث وأمسكت النفوس بأنفاسها وقبل أن تلقتط لها ثها قال: استشهد حمزة اليمني وأبو مصعب الفلسطيني (الطائفي) وجرح سياف المصري واستغرب الإخوة الذين لديهم علم عسكري, كيف ينفجر الهاون? لا بد أن يكون هنالك خطأ في تلقيم القذيفة فرد أبو عمار: لا بل أنا متأكد أن وضعها صحيح وأنا كنت معهم مع صابر, ويأتي أخ آخر ليؤكد أن مدفع الهاون المصري قد انفجر في جاجي ميدان وفي خوست وفي ماروا وهنا بدأ الإخوة المختصون يراجعون الحسابات, لعلها مقصودة أن يلقي في السوق مجموعة من قذائف الهاون لتنفجر بأصحابها وأول ما طاف في مخيلتي وتبادر إلى ذهني سؤال يلح على كل من يسمع القصة, ما حكم من انفجر به سلاحة? أو قتل نفسه خطأ في أرض الرباط أو الجهاد? وقد كان الجواب حاضرا في نفسي: وهو قصة عامر بن الأكوع في خيبر.
وقلبت صحفات البخاري ومسلم لاستخرج قصة عامر التي رواها الشيخان: فقد كان عامر شاعرا وشعره حداء للركبان ورواية البخاري في قصة عامر يرويها أخوه الصحابي الجليل البطل المغوار سلمة بن الأكوع فيقول رضي الله عنه: (خرجنا مع النبي ص إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر إلا تسمعنا هنيهاتك, وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقو ل:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فقال رسول الله ص: من هذا السائق? فقالوا: عامر بن الأكوع, قال يرحمه الله قال رجل من القوم قيل أنه عمر وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا, به فأتينا خيبر