مشغول بعيوب نفسه (وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس) قلما تراه عابس الوجه أو مقطب الجبين, دائم الإبتسامة يأسرك منه تواضع جم وخلق أخاذ, وقلب كبير يضم بين حناياه آلام أمة وآمال جيل0وكانت الخاتمة في جور في يوم التروية: ويصمت الجميع بذهول يشده العقول لصاعقة النبأ التي نزلت على القلوب فأحرقتها ويتحول الدرس النظري الذي يلقيه الأستاذ إلى درس عملي فيه العبرة والذكرى والعبرة وكل لسان يلهج بما في أعماق قلبه من حب وثيق لهذا الراحل المعلم الذي ترك بصماته في حنايا النفوس وعلمها أن الحياة الحقيقية هي حياة الفرسان من خير معاش الناس رجل أخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار اليها يبتغي الموت مظانه صحيح0
عبد الله عبد الوالي الذهب (أبو عمر اليماني):
ما رأيت شبيها لفطرة أهل أفغانستان مثل أهل اليمن ويكاد القطران يتشابهان بأصالة فطرة الأبناء وطبيعة الأرض وإلالتفاف حول العلماء ووضع النصوص موضع الجدية والتنفيذ, تراهم في الخمسينات يرتدون البزة العسكرية ويحملون البنادق ويسابقون الشباب في تسلق الجبال, بل في الصعود إلى أعالي المجد0
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
روح الشباب, وهمة الفتيان, وعزيمة لا تعرف الكلل0
عمري بروحي لا بعد سنين ... فلأسخرن غدا من التسعين
عمري إلى الستين يجري مسرعا ... والروح ثابتة على العشرين
وهكذا فقد التقيت في ذرى الجبال وبين الغابات والأدغال نماذج من أهل اليمن رأيت الغبيسي وأبا فارع, وكم يهزك أن تعلم أن غيلان أبا فارع أول من يقبل إلى الجهاد من أهل اليمن والإيمان والحكمة رغم أنه في العقد السادس من عمره0
ويعجبك أهل اليمن بإبائهم وأنفتهم وعزتهم وقبولهم للمنايا دون إعطاء الدنية في دينهم كذاك أهل أفغانستان0
ونفس تعاد العار حتى كأنه ... هو الشرك يوم الروع أو مثله الكفر
وتكاد النغمة العذبة تتحد على لسان حال اليماني والأفغاني:
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره ... فلم يمت الإنسان ما حبي الذكر
ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوأته عمرو
أقبل عبد الله: من بين الذين أقبلوا مستجيبين لرب العزة وهم يرتجفون من التهديد الرعيب من فوق السبع الطباق:
(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين)
(التوبة)
وهو في الأربعين من عمره تاركا والدة ليس لها إلا الله ثم السهاد والأرق والبكاء والقلق على الفراق0
من منطقة رداع, ولكنه نزيل صنعاء, شاب وقور جاد كثير الصمت لايعرف منه تجاه الناس اساءة ولاتراه إلا في حلق العلم تارة وأخرى بين دروس تحفيظ القرآن يتتبع الندوات والمحاضرات, وله في القلوب منزلة وصمته يضفي على مكانتة مهابة واحتراما 0
في معسكر التدريب: وفي داخل المعسكر وجد نفسه, وانبسطت أساريره وبدأ يعبر عن ارتياحه الكبير ببعض النكات التي قلما كان تسمع منه من ذي قبل وكأنه وجد التفسير العملي (عليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم) حديث صحيح.
وفي يوم التروية مضى إلى الله وترك أما في صنعاء تكابد الليل مع نجوم السماء ولو كانت تعلم الأدب والشعر لقالت.
فإذا نطقت فأنت أول منطقي ... وإذا سكت فأنت في أضماري
أخفي من البرحاء نارا مثلما ... يخفي من النار الزناد الواري
وأخفى الزفرات وهي صواعد ... وأكفكف العبرات وهي جواري
(الزناد الواري: المشعل المشتعل, الزفرات: التنهدات, العبرات: الدموع, البرحاء: الشدة).