الشهيد شفيق إبراهيم المدني
(ويح أمه مسعر حرب لو كان معه رجال):
وهكذا مضى أبطال المأسدة الواحد تلو الآخر, وابتلعت أراضي جلال آباد أسدا بعد أسد وليثا إثر ليث. وأبو عبد الله أسامة يعتصر قلبه الألم كلما ودع فلذة من كبده أصابت كبده قذيفة جديدة فانتزعت فلذة جديدة ثم مضت وتركته يتلوى ألما وقبل أن يواسي جراحه يصيبه سهم جديد بجرح عميق وينكأ عليه ما كاد يندمل من قديم الجراح, ولسان حاله يردد مع كل مسافر إلى الله -عز وجلـ.
أبنت الدهر عندي كل بنت ... فكيف وصلت أنت من الزحام
جرحت مجرحا لم يبق فيه ... مكان للسيوف أو السهام
مضى أبو الذهب فقال لي أبوعبد الله: ما تألمت على أحد كأبي الذهب ثم لحقه خالد الكردي فقال أبو عبد الله: ما عز علي أحد كخالد ثم تبعه عبد المنان وعبد الرحمن المصري.
وأما في جلال آباد فقد اختطفت يد المنون شلوا لأبي عبد الله وهو أبوطارق المأربي (عوض العرادة) ثم انتزعت شلوا آخر وهو أبو قتيبة وهنا كان البكاء المر ثم اهتصرت الحتوف (الموت) شفيقا فلم يعد في النفس صبر على فراق الأحبة.
أما شفيق فحد ث عنه كما تشاء -من الشجاعة والإقدام والصبر والإحتمال- فهو من أصغر الناس الذين أقبلوا على الجهاد.
قدوه: أما شفيق فقد قدم سادس ستة تلاميذ أحد الدعاة المعروفين من المدينة المنورة منهم الشهيدان أبو قتيبة وخالد الكردي, ومضوا على الطريق الشائك ينتعلون شوك الغضى ويتجرعون غصص الأكدار, ولقد واكبت مسيرتهم منذ أيامهم الأولى وكنت أشفق عليهم, غض أهابهم, وطري عودهم, والأمر أكبر منهم والحمل ثقيل على كواهلهم, -وسبحان الله- إن أبعد شئ كان يمكن تصوره هو استمرار هؤلاء الشباب على هذا الطريق الدامي الأليم, ولكنهم ثبتوا بتثبيت الله لهم, وقصرت قمم كنا نحسبها أعمدة لهذا البناء الإسلامي السامق وفجأة افتقدناهم وكل له مبرراته بترك الميدان ولكن أتقبل عذرا عند الرحمن? إن هذا من الشك بمكان.
في معسكر أسامة بن زيد: وكان أسد الله أمير معسكر أسامة بن زيد شخصية جذابة لكثير من الإخوة العرب القادمين للجهاد لشجاعته وكذلك لقرب معسكره, فنزل إليه شفيق مع بعض إخوانه العرب, وإبان وجودهم في المعسكر حصل اقتحام للمعسكر من قبل الشيوعيين وقد ولج الشيوعيون نفس الغرفة التي فيها شفيق ونجا شفيق وأبوحنيفة بأعجوبة بالغة إذ أن الله قد ر لهما الحياة وفي اليوم التالي أراد المجاهدون استنقاذ المعسكر من أيدي الكفرة, وكان شفيق من الليوث الذين انقضوا على الأعداء مع (جل الرحمن) وأنقذ المعسكر واستشهد (جل الرحمن).
وطو ف شفيق بين المعسكرات الحدودية في بكتيا وكنر, وكان والده قد قدم إلينا من أجل إرجاعه والتقيت بوالده واستطاع أن يعيد ابنه إلى المدينة.
ثم زرت المدينة وإذا بشفيق يعمل في الحرم المدني فأخذني للزيارة ولم يطل به المقام وكأنما يتقلب على الخذم (الأسنة) وكان لابد من العودة ولو بأي طريق وعاد شفيق إلى أرض الجهاد وبعد لأي قدم أبو عبد الله أسامة متفرغا للجهاد وبدأ بإنشاء المأسدة وكان دون تأسيسها عقبات وأهوال وبدأها باثنين, شفيق وآخر وكان هو ثالث الثلاثة.
وبدأت المأسدة تنمو يوما بعد يوم ولكن الزمهرير الذي احتمله الإخوة من صقيع الشتاء في العام الأول لا يحتمله إلا أفذاذ الرجال وقد كنت مشفقا عليهم أن تنزل طائرة هليوكبتر فتلتقطهم أحياء وتعود بهم إلى كابل.
معركة المأسدة: رمضان سنة (7041هـ) وقدر الله لهذا المعسكر العربي الصغير أن يواجه هجوما شرسا من الروس والشيوعيين وكتب الله النصر للمسلمين وكان للشباب العربي المجاهد -بعد الله تعالى- دور مشكور في النصر المبين.