الآذان تلتقط النسمات الهادئه فتحسبها هدير دبابة أو أزيز طائرة, وتكاد الأنوف تحصي أنفاسها فالكمائن كثيرة والدبابات لايقابلها شيء إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم لله يخاطرون بأرواحهم ويغامرون بحياتهم, والطائرات تسرح وتمرح غدوا وعشيا تنتظر قافلة مارة أو جمعا متحركا , والطريق تستغرق ثلاثة أيام, وفي السرا يحلو السمر, وبدأ حذيفة يحدث: عن احساسه الداخلي بقرب الشهادة وبدأ يقص رؤيا رآها عن أخية الميت وكان أخاه يستحث خطاه إليه.
كان أبو ثابت آخذ بيد حذيفة وفي الليلة الثالثة وعلى بعد ثماني ساعات فقط من مطار قندهار كان لا بد للقافلة ان تمر في شعب الموت, حيث تنحسر الطريق وتظيق بين تبتين متقابلتين, وفجأة وإذا بالرشاشات تلعلع فاتحتا أفواهها علينا ومن الجانبين واشتغلت وسائل إلابادة المتعددة.
يقول أبو ثابت وقعت قذيفة هاون بيننا وأصابت شظاياها جوارحنا أما حذيفة فقد كان الجرح غائرا وصار يئن من الجراح وتحاملت على نفسي وزحفت على بطني حتى التصقت بسفح التبة ثم سرت بين الزحف والمشي, ووصلت إلى راع للغنم ومرت طائرة والبسني عمامته لأنه من الغريب جدا أن يضع القندهاري عمامته, ثم أخذني إلى بيته وهناك عرف أني عربي.
كرم أهل قندهار: وعندما أدرك الراعي أني عربي قام إلى شاة وذبحها إكراما لي وكان بإمكانه أن يسلمني للشيوعيين مقابل مئات الألوف, ولكن إكرام الضيف من أكبر الواجبات وقبول الواجبات فرض بالنسبة لهم, والشاه لها قيمتها.
كنا قريبين من المطار, بعضهم قد لحق بربه, وطفقنا نبحث عن إخواننا العرب حذيفة وأبو طارق الفلسطيني وإبي الحسين السوري وانا متلهف لأرى مصيرهم
وذو الظمأ المشتاق لا يعرف الوغى ... ولا الضعف حتى يستبين له الورد
وكان لابد من التأكد ودلونا على جدثيهما ورأيت حذيفة بعد ثلاثة أيام ودمه لزج وجسده لم يحصل له أي تغيير رغم ان الشيوعيين مسودة وجوههم منتفخة أجسادهم والصديد يسيل من أنوفهم وأفواههم.
هكذا مضى محمد عبد الحميد إلى ربه رغم أنه لم يتم الأشهر الثلاثة في ساح الجهاد ونرجو الله أن يكون هذا دليل القبول اذ ان عمروبن ثابت بن أقيش -الأصيرم- دخل الجنة ولم يركع لله ركعة كما كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: على أبواب قندهار ومنذ الأيام الأولى خلع محمد أثواب الجاهلية وتدثر بالأخلاق الإسلامية من شجاعة وأخلاق وتضحية وإصرار.
أصهر بنارك غل عنقك ينصهر ... فعلى الجماجم تركز الأعلام
واقم على الأشلاء صرحك انما ... من فوقه تبنى العلا وتقام
الشهيد أبو طارق الفلسطيني:
رأيته في المكتب تلمح في عينيه بريق المضاء وعرما وسناء ذهب إلى قندهار وعاد يطلب المساعدات للجبهة
لفت الورى منك الزئير ... فزمجر من حوله غاب
عرف الطريق لحقه ... ومشى له الجدد الصواب
شاب أصله من غزة ولد بعيدا عنها في جدة وترعرع فيها ولكن قلبه معلق بالأقصى ووجد أن الطريق الجاد نحوا الأقصى هوالإعداد والإستعداد فلا بد من البحث عن ساحات غير منابر الكلام وميادين الخطابة فاتجه إلى ساحة النزال, وكان على قدر وقد كتب الله لي ان اودعه بتلك الدقائق العشر التي وقفتها معه في مضافة سعد الرشود (مكتبنا) وكان اللقاء في الله مع أخويه حذيفة وأبي الحسين السوري, في السادس عشر من شعبان سنة (8041هـ.).
وجسم تجدل في الصحصحان ... تناوشه جارحات الفلا
فمنه نصيب لطير السماء ... ومنه نصيب لأسد الشرى
ولولا حزن بنات غزة لتركناك يجمعك الله من بطون السباع وحواصل الطير.
الشهيد أبو الحسين السوري:
اسمه الحقيقي عبد الفتاح محمد عبد الرحيم السواري سوري الأصل سعودي الجنسية من مواليد جدة حيث تعيش اسرته, انهى الدراسة الثانوية ثم دخل الجامعة وفي السنة الثانية من دراسته الجامعية صار يتقلب على الشوك وادق أجفانه صرخات المظلومين وأنات الثكإلى وصيحات العذارى التي تدوي في سفوح الهندكوش فلم يطق الحياة مع الكلمات الباردة التي يخزنها قوالب في ذهنه ثم يفرغها على ورقة كيما ينال ورقة يعمل بها -إن تيسر الأمر- معلما بألفى ريال.
عاش أحداث حماة التي لا تحتمل مرارة العيش من قبل وأخذت لواعج صدره تشتعل غيظا على الظالمين.
كان اليفا مألوفا محبوبا من قبل الصغار والكبار, يزين وجهه اتزان صامت وهدوء ملحوظ, كان مواظبا على صلاة الجماعة, وجاء القدر المقدور لانطلاقة الخلود فيمم شطر قندهار.
نفسه طوع همة ... وجمت دونها الهمم
وانطلق يرفرف بأجنحة الشوق ويطير بوقود الصدى مع قافلة حذيفة وأبي طارق حيث الردى ينتظرهم بمرصد.
وفي كويتا سرى النبأ سريان النعي في يوم عرس ووجم الجميع وهم يستقبلون نبأ وداع ثلة من الآخرين.