الأفغان البالغ للنسب الشريف الذي يمت إليه سيد أحمد, قضايا كبيرة وخلافات ضخمة ما استطاع أحد أن يحسم فيها سوى السيد الشريف القرشي الذي لايستطيعون التعقيب على رأيه وقوله لما له من مكانة رفيعة في قلوبهم.
زيارة الوداع: وكانت الزيارة الأخيرة خالصة للرباط والله أعلم, ولم تخالطها نية زيارة الرحم (أم الحسن) فلقد قضت الفترة الكبيرة بين العيدين في بيت أهلها بالمدينة, ثم رجعت قبل عيد الأضحى بقرابة شهر فرافقها والدها مع والدتها طمعا في أجر الرباط.
وأقبلت الأيام الأولى من ذي الحجة (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) وذات صباح وبعد صلاة الفجر وإذا بجرس التليفون يدق فأجبت فردت علي (أم جمال) زوجة أحمد وقالت قل لأبي الحسن (وائل) أن يمر علينا في المستشفى فقرعت عليه الباب المجاور وأخبرته ثم توجهت أنا ووائل وزوجه أم الحسن لزيارة سيد أحمد فإذا بآثار الجلطة التي ألمت به في الهزيع الأخير من الليل قد زالت ورقيته بالأدعيه المأثورة ثم ودعته وكان مستريحا وكانت النظرة الأخيرة التي حظيت بها منه في هذه الحياة وفي الساعة الرابعة مساء جاء ابني إبراهيم وأسر في أذني توفي سيد أحمد فخرجت رأسا إلى بيت أبي الحسن في جواري فرأيته مسجى مغطى بقماش أبيض وقرأت قرب رأسه سورة (يس) 0
الدفن: وتشاورت مع أبي الحسن في مكان الدفن وكنا بين أن ندفنه في مقبرة الشهداء في بابي قرب بيت سياف, بجوار يحيى سنيور وأبي عبد الحق وبين أن ننقله إلى المدينة ليدفن بين الصحابة في البقيع.
وكنت أخشى أن يتغير لونه لأنه توفي يوم الجمعة ساعة الإستجابة بعد العصر ولن يصل إلى المدينة إلا في منتصف ليلة الأحد, وقضى الله أن لا نجد ثلاجة للموتى في بيشاور وبقي الجثمان ليلة السبت ويوم السبت وفي مساء السبت نقلناه بالطائرة.
دهشة جميع الحاضرين في المدينة: ولشد ما كان تعجب الجميع عندما كشفوا عن وجه سيد أحمد وهم يتوقعونه قد انتفخ وازرق لونه وإذا به كالنائم محمر الوجه لايمل الناظر إلى وجهه وودع الجميع المهاجر المرابط وألقوا عليه نظرات الوداع وسارت الجنازة إلى البقيع وووري الجثمان بين الرهط الكريم من سلف هذه الأمة.
ونرجو الله عز وجل أن يكون قد تقبل رباطه وهجرته, وفي الحديث الصحيح: من وضع رجله في الركاب فاصلا فوقصته دابته فمات أو لدغته هامة فمات أو مات بأي حتف مات فهو شهيد وإن له الجنة.
شهداء يوم التروية
رغم أن الدبابات لم تعد تستطيع السير فوق الشوارع في جميع أرجاء أفغانستان هلعا من قذائف ليوث الجهاد ولم يعد بإمكان أي كتيبة من كتائب الجيش الأحمر أن تظهر في سهل ولا جبل, وحرم على طائرة هليوكبتر أن تحلق في سماء أفغانستان جزعا ورعبا من صواريخ المجاهدين.
والإنتصارات متوالية, ورايات الظفر ترفرف فوق معظم الوهاد والنجود ومعنويات المجاهدين تناطح السحاب في عنان السماء, وعزائم الكفار خائرة منهارة يحسبون كل صيحة عليهم, كما عبر عنها جندي روسي راجع من الميدان وعلى شاشة التلفاز الروسي: (عندما نسمع صيحة الله أكبر نبول على ثيابنا) , وفي كل يوم جديد من الإنتصارات التي تشبه الأحلام ومن انهيارات الكفار (فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب, يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) وكانت تذكرة عظمى للمؤمنين كما قال الله -عز وجل- معقبا على الآية السابقة (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
وسقطت, تخار, وكندز, ووردك, وباميان, وغزني, وقندهار, وسمنجان, وجلال آباد على وشك السقوط.
رغم هذا كله إلا أن الله يكرم بعض عباده بالشهادة ويختارهم إلى جواره, ألقت طائرة قذيفتها مشركة فيها صواعقها تنتظر من يتجمع حولها لتنفجر بجمع من خيار الأخوة, ففازوا بما جاؤا من أجله ووصلوا إلى الغاية التي لها يطمحون, في الثامن من ذي الحجة (8041هـ) منهم:
الشهيد المهندس أشرف بدوي السيد (صديق المصري):
يا كوكبا ما كان أقصر عمره ... وكذا تكون كواكب الأسحار