وألقي في غياهب السجون قرابة عام حيث حفظ شهيدنا عشرة أجزاء من القرآن وضرب مثلا رائعا بالتضحية والإيثار لإخوانه الذين يشاركونه المحنة وكان يصوم الإثنين والخميس0
ويحدث عنه صاحبه الذي يشاركه لأواء الطريق: (كنت عندما أنهض لبعض الحاجة في جوف الليل أراه في الغالب أما قارئا للقرآن أو قائما يصلي) 0
كان شديد الشوق للجهاد ولذا صمم على ترك أرض العراق إلى موطن يشم فيه رائحة الجنان ويعيش تحت ظلال السيوف0
درس في المعهد الطبي وكانت نفسه تراوده كثيرا أن يدع الدراسة ليواصل مسيرة العرق والدم ولكنه -وتحت الحاح إخوانه- أكمل الدراسة لتكون خدمته للجهاد أعمق أثرا 0
ولقد كانت مجموعة تبحث عن مخرج في أعماق هذا الليل الدامس وذات يوم وإذا بأمير هذه المجموعة يفاتحهم أن المال الذي بين أيديهم قد نفد ولا بد لأحدهم أن يغامر حتى يحضر لهم مالا , وما تحرك أحد لأن الموت يرقبهم في كل مرصد, والمنون تنتظرهم عند كل مفرق طريق إذ لم يكن مع أي واحد منهم ورقة تثبت هويته وتحدد شخصيته, وأي واحد منهم معروف من قبل السلطات التي تطاردهم فليس له مصير سوى الموت الفوري0
وهب على وحمل عاتقه مسؤولية إنقاذ اخوانه وقرر تنفيذ أمر الأمير, ويذكرني هذا الموقف بموقف حذيفة بن اليمان ليلة الإحزاب عندما انتدبهم رسول الله ص أن يخرج واحد منهم ليرى خبر الأحزاب فلم يتحرك منهم أحد0
ويتحرك علي ولم يكن يحمل في دقات قلبه إلا ترقب الموت0
يحدث صاحب قائلا: كنت معه في السيارة حيث وقفنا عند نقطة التفتيش المهمة فسألته ماذا عندك? فأجابني ليس عندي سوى التوكل على رب العالمين وتفويض الأمر اليه ولقد طلب منا رب العزة الإعداد فأعددنا ما استطعنا ولم أستطع أن أعد من الوسائل المادية شيئا , وليس لدي سوى الإيمان برب العالمين0
لقد أحدثت هذه الكلمة دويا هائلا في أ عماقي وتركت أصداؤها أثرا بالغا في فؤادي0
لقد كان التفتيش شديدا في هذه النقطة عن الهويات والحاجيات وما هي إلا لحظات وإذا بيد مسؤول النقطة تشير للسيارات كلها بالعبوردون تفتيش فكان هذا هو التفسير العملي لقوله عزوجل: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب, ومن يتوكل على الله فهوحسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شي قدرا) 0
ووصل الشهيد إلى أرض إيران ثم اخترقها إلى حيث تمتزج البطولة بالدماء وبالحديد, ووصل هرات وبدأ يذاول الطب فوق أرض المعركة وهنا في أرض الرازي وابن حيان صمم على الموت0
فاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر
تردى ثياب الموت حمرا فما دجى ... لها الليل إلا وهي سندس خضر
حتى لقي الله ولحق بمن سبقه على طريق الله مع أولئك النفر الذين تنتشر أجداثهم (قبورهم) في أرجاء أفغانستان شهادة أمام الله ثم أمام التاريخ أن هذا الجهاد جهاد إسلامي عالمي وليس قتالا قوميا وإن كان لأبناء أفغانستان القدح المعلى في التضحية والإيثار والصبر والإباء والجماجم والأشلاء0
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك0
قافلة الغرباء
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, وبعد:
وهكذا مع قافلة الغرباء التي تنهب طريقها إلى ربها لحقت باقة جديدة بهذا الركب الغريب, غرباء في تفكيرهم, غرباء في اهتماماتهم, غرباء عن أصحاب دنياهم, طلقوا الدنيا التي فتنت ألباب الكثيرين, عافوا الزينة التي تهافت على حطامها فراش النار0 غرباء عن مسقط رؤوسهم, فطوبى للغرباء, العيون ترمقهم من بعيد إكبارا وإجلالا , وبعضها تذرف عليه الدمغ رثاء وإشفاقا , القلوب تود لوانشقت فضمتهم بين حناياها, والصدور تتابع التقاط أنفاسها شغفا في معرفة محطتهم الأخيرة0
غرباء سعداء بغربتهم, مطاردون من قبل الذين يحسبون كل صيحة عليهم, ومع هذا فهم في غمرة النشوة وهم يشقون طريقهم في صحراء الجاهلية المقفرة, كل واحد يترقب منيته بين طرفة عين وانتباهتها, يحرصون على الموت كما يتكالب أهل الدنيا على الحياة0 (فوق صهوة جواده يبتفي الموت مظانه).
مجاهدون في العلا على المدى مجاهدون ... لنا أزمة الردى وفي الكفاح صامدون
ولقد طالت الحياة وتجاوز العمر الخامسة والأربعين وكنا نود لو لقينا أحبابنا قبل سنين, إنها حياة طويلة تلك التي تفصلنا عن الحور العين وتحجزنا عن جنات النعيم, وإن كان البعض يحس أنه في الجنة قبل أن يدخلها (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة) 0