عاشق الحوراء (الشهيد ياسر أبو النور -عبد الرحيم العرجة-)
أما ياسر أبو النور (عبد الرحيم العرجة) فلأول مرة رأيته في مكتب الخدمات, مشرق الوجه ناصح الجبين, لا يكاد يجاوز الثامنة عشرة من عمره فسألته ممن الرجل فأجاب: من فلسطين ولكن أعيش في الكويت جئت أبحث عن قبول في أحدى الجامعات الباكستانية ولكني أود الجهاد.
كانت قافلة متوجهة إلى بلخ (مزار شريف) فأصر أن يكون أحد جنودها وتوجه هذا الشاب الرقيق الذي لم يذق للشظف لوعة ولا للحرمان مرارهة, ولم تعجم الحياة عوده فيصلب ولم يكشر له الزمان عن أنيابه فيذوق المحن ويجرب بنات الدهر, ما كنت أظن ان هؤلاء الشباب يستطيعون أن يقدموا العطاء الجزيل للجهاد الأفغاني ولكنها بركة الإخلاص وحرارة الصدق تذيب الغواشي عن قلوب الناس فتدخلها هذه النماذج بلا استئذان.
يحدثني عنه أسد الله أبو أسيد (شاب عربي) رافقه السفر وعاش معه فترة في بلخ (مزار شريف) فقال: كان محبوبا من قبل المجاهدين الأفغان وكان يتميز بصفتين بارزتين جعلت حبه يخترق شغاف القلوب أولا هما: بسط الوجه وحسن الخلق (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) فبشاشة وجهه وسعة صدره وسعت الناس فوسعوا له قلوبهم, وثانيهما شجاعته الخارقة وحرصه الشديد على الشهادة خير الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كل ما سمع هيعة أو فزعة -ضجة مخيفة- طار إليها يبتغي -يطلب الموت- مظانه).
كان الأمير العام لجبهات مزار شريف (محمد علم) يسميه (ديوانه) أي (مجنونا) , لشجاعته الخارقة النادرة, وكان ياسر يوقع رسائلة دائما (أول شهيد عربي في مزار شريف وبجانبه عاشق الحوراء -الحورية-).
كان مرحا , دمث الأخلاق, وكان لا يسمع بمعركة إلا طار إليها فرحا:
فج يكاد صهيل الخيل يقذفه ... عن سرجه فرحا بالغزو أو طربا
ولسان حاله يردد دائما:
يلذ لأذني سماع الصليل ... ويبهج نفسي مسيل الدما
أهونا وعندي تهون الحياة ... وذلا وإني لرب الإبا
وكان كثير التلاوة للقرآن الكريم وكان يصوم الإثنين والخميس غالبا , وكانت رؤاه كفلق الصبح, رأى نفسه عدة مرات شهيدا, ورأى الحور العين في منا مه, وكان يكتب لإخوانه بالرؤيا التي كان يراها ويقص الرؤيا في رسائل طويلة لإخوانه العرب في مزار.
كانت بداية صلته بالجهاد نزوله إلى كونر عند أسد الله في معسكر أسامة بن زيد وكان كثير الكلام بعدها عن أسد الله وعن كونر:
كم منزل في الأرض يعشقه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل
ومضى عبد الرحيم يبحث عن الموت, يتتبع أخبار المعارك, ويتحرق لأنباء الجبهات الساخنة ليصطلي بنارها طمعا أن يحميه الله من نار الآخرة.
وجاءت العشر الأواخر من رمضان سنة (6041ه-) حيث يترقبها كل مؤمن ليغسل ذنوبه ويضرع إلى الله بالدعاء ليقبل توبته ويمحو حوبته, ولكن ياسرا جمع بين الدعاء والعمل فسمع أن هنالك عملية في هشدا نهر (الثمانية عشر نهرا) وتوجه إليها ياسر وكان على موعد مع القدر المبروم والوعد المحتوم وفوجىء ياسر مع مجموعته بقوة من الدبابات والطائرات وحاول ياسر أن يرد عن نفسه ولكن قدر الله نافذ فأحاطت به مجموعة من الأعداء واستطاعوا أن يلقوا القبض عليه وقيدوا يديه فأفلت من بين أيديهم وهرب فلحقوا به والقوا عليه القبض ثم زجوا به في داخل طائرة الهليو كبتر وقبل أن تطير الطائرة ألقى بنفسه من الطائرة وهرب فدخل بستانا لفلاح وخبأه الفلاح وانطلقت كلاب الصيد تبحث عن فريستها ودل بعض المنافقين على بستان الفلاح فجاءوا به وضربوه فدلهم عليه.
وأخذوه إلى مركز الولاية (مزار شريف) وفي اليوم التالي نقلوه إلى كابل.
حب المجاهدين الأفغان للعرب: