تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله

وكان يترقب الشهادة ويعد لها عدتها, والنفوس عندما تقبل على الله يقبل عليها, وإذا أحبت لقاء الله أحب الله لقاءها, وإذا اصطفى الله عبدا ألهمه العمل الذي يكون تقدمه لقدومه على الله.

كان رقيق الصوت بالقرآن يحاول أن يقلد الأخ الحبيب أبا هاجر أو الشيخ عمر عبد الرحمن فكان صوته يرقق القلوب, وكان الأمير يقدمه للصلاة خاصة التراويح.

من كلماته: يقول أبو عمرو اليماني: سمعته يقول: قال الله عز وجل (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى) فكيف سميت نفسي أبا الخير? فقال أبو عمرو: لعله على سبيل التيمن.

من رؤاه: رأى ذات مرة في المنام حدائق جميلة وفي داخلها نساء ذوات جمال رائع قل نظيره فقال الأخ السامع في نفسه: لعلها ارهاصات الشهادة.

مبشرات يوم الشهادة: يقول أبو عبيدة اليماني: لقد خرجت معه صبيحة اليوم الذي استشهد فيه وفجأة استوقفني قائلا إني أشم رائحة الجنة فهل تشمها ياأخي; فقلت: لا أشم شيئا فقال أبوالخير: أما أنا فأشمها.

ويقول أبوالبراء القرشي: خرجت مع مرشد (أبي الخير) يوم الشهادة إلى شلال قريب فذهب إلى الشلال ومكث طويلا وهو يغتسل فعندما عاد قلت له يا أخي لقد أبطأت علينا فقال: أريد أن ألقى الله والحور العين وأنا نظيف.

ويقول أبو أحمد السعودي: في الليلة التي سبقت شهادته (ليلة العشرين من رمضان) بقي حارسا ست ساعات وملء الليل تكبير وقرآن ولم يذق طعم النوم:

على الهضبات فرسان ... وعند الحور تحنان

وملء الليل قرآن ... إذا هتفوا به لانوا

فدمع العين رقراق

وهبت ريح الجنة: وفي ذلك اليوم قامت معركة بين المجاهدين والكفار في (لجا) وأخذ أبوالخير دوره على السلاح الثقيل (الدوشكا) وكان معه عبد الكريم الأفغاني فأراد عبد الكريم بعد العصر أن ينصرف فقال أبو الخير: مهلا ياأخا الإسلام لعل أحدنا ينال شهادته ويمضي إلى الله ولم تمض على الكلمات سوى دقائق معدودات وإذا بقذيفة هاون فأصابته إحدى شظاياها وكان المنظار بيده يرقب مواقع الرصاص من العدو فألقى المنظار جانبا ثم جلس جلوسه للتشهد ورفع يديه نحو السماء مبتهلا مخبتا أن يتقبله الله واختفى صوته تدريجيا إذ أن دمه كان يتدفق بغزارة وبقي على هيئة التشهد حتى أقبل الخل الوفي (أبو البراء القرشي) بسرير لينقله عليه ووضعه عليه والدم يتدفق والعطر يعبق شذاه في الأنوف ويضوع (ينتشر) بعرفه فيطيب له الجو.

وبقيت المسبحة تشير إلى السماء بالوحدانية وأراد أن يودع أبا البراء الوداع الأخير فأخذ بيده وصار يودعه بنظراته كأن لسان حاله يقول: سفر طويل فأريد أن أمتع نظري منك حتى نلتقي عند الله.

ووصل المستشفى في ميرانشاه وكانت روحه قد أفضت إلى خالقها ودفن حيث أوصى فقد أوصى أن يدفن حيث يقتل وأن لا يعلى قبره ورأيت وصيته على الورقة التي تعطرت بدمه: (أوصي أن لا تنشر صورتي في المجلة, وعمامتي وبدلتي السوداء لأبي دجانة اليمني) ,

من وصيته: وقد سطر وصيته في الحادي والعشرين من شعبان سنة (9041هـ) قبل شهادته بشهر تماما , ومما جاء فيها: (إخوة الإيمان والإسلام أحبتي في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أكتب هذه الوصية عسى الله أن يكرمني بالشهادة في سبيله وأوصيكم اخوتي في الله بتقوى الله تعالى والإخلاص في كل عمل تفعلونه ومواصلة هذه الفريضة العظيمة التي كتب الله فيها عزنا ومجدنا فإن تركناها كتب علينا الذل والمهانة كما أشار إلى ذلك الحبيب المصطفى ص في قوله: ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا وهذا ما أصاب الأمة الإسلامية في هذا الزمان ولعل الله أراد بها الخير أن هيأ لأول شرارة من الجهاد أن تشعل في أرض أفغانستان فادعو الله تعالى أن لا تنطفئ هذه الشعلة بعد اشعالها بدماء إخوة أفاضل والأمل فيكم كبير إن شاء الله تعالى).

وهكذا رقد هذا الليث في جدثه على مقربة من المستشفى في ميرانشاه ليلة الحادي والعشرين من رمضان ولعلها أول ليلة استراح فيها بعد مسيرة مريرة طويلة ملؤها الشوق والشوك والغصص والعذاب والحلاوة والإستعذاب, ومضى إلى الله بعد أن علمنا الكثير الكثير ونرجو الله عز وجل أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى ذلك الفوز الكبير.

الشهيد أبو الليث السوداني (الصادق الهادي عبد الله):

من بلدة نيالة في السودان, كان يدرس الزراعة في ليبيا وقطع دراسته في السنة الثانية وتوجه إلى بيشاور ليلتحق بصفوف المجاهدين: نماذج أحيت في النفوس معانيا ... تزف إليها الحور أغلى التهانيا

نسمع قصصهم فتحيا بها قلوبنا, ونعيش معهم ونخالطهم فنشعر أننا مع صنف جديد من البشر اصطفاهم الله ليجددوا دينه ولإحياء شريعته, وتعيد إلينا صورة ذلك الجيل الفريد الذي يعبر عنه أنس رضي الله عنه قائلا للتابعين: (إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ص من الكبائر).

عشاق الحور · الصفحة ١٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٣٦