تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يدخل كلية الشريعة أو أصول الدين سوى الذين أوصدت في وجوههم كل الكليات ولم يبق أمامهم سوى دراسة الإسلام.

إن دين الله أولى بهذه العقليات, وأجدر أن يدرسه هؤلاء الأذكياء لأننا بحاجة إلى عناصر قوية فتية ذكية شجاعة مضحية حتى تحمل دين الله, وتستنبط أحكاما شرعية جديدة تواجه بها المعضلات العصرية والمشكلات الحاضرة على ضوء الكتاب والس نة لا أن تبقى محصورة بين دفات كتاب ألف في القرن السادس الهجري -فقط- دون أن تتعداه أو تتخطاه لقد فطن أعداؤنا من الشيوعيين والبعثيين والقوميين إلى دراسة العلوم الإنسانية من التاريخ والتربية والإجتماع وعلم النفس والآداب وعادوا يستلمون توجيه هذه الكليات ليصوغوا عقول الأجيال على أعينهم ويوجهوها على أهوائهم, أما أبناء الحركات الإسلامية فالواحد منهم يعيش مع الإسمنت والحديد والمبضع والمريض ويقضي طيلة حياته أمي التفكير بعيدا عن الغوص في أعماق هذه الشريعة الغراء أو العيش مع الأجيال الذين يشكلون قاعدة المجتمع وأساسه, فهلا ننتبه ونوجه خيار أبنائنا إلى دراسة دين الله وشريعته.

نشأته: ولقد كان رحمه الله منذ نعومة أظفاره مقبلا على الله, مشعلا من مشاعل العمل الإسلامي, وعمودا من أعمدته منذ مرحلته الثانوية, فحيثما يحلو لك أن تشاهده رأيته, فمن حلقة المسجد, إلى احتفال الحي بذكرى إسلامية, إلى المعارض الإسلامية الجامعية, ودعك عن الندوات والدورات الفقهية والأصولية, وكانت الدراسة في السيرة وحياة الصحابة تملك عليه مشاعره وتشده بكليته إليها.

تخرجه: وتخرج فوزي من قسم الرياضيات, وأصبحت الأماني المعسولة تشغل والده لإرساله إلى فرنسا للحصول على الدكتوراة ليعود أستاذا جامعيا مرموقا.

يقول أبو عاصم الجزائري -أحد رفقاء درب الجهاد من بلده- زرته ذات مرة بعد التخرج وبدأ والده يحدث عن مخططاته من أجل صياغة مستقبل الورود لابنه فوزي وأنه سيرسله إلى فرنسا فابتسم فوزي وأسر في أذني قائلا: (أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد) وكأنه يقول لوالده: يا قوم نحن في واد وأنتم في واد.

لقد كان التفكير في الجهاد يأخذ من وقته كل مأخذ, ويشد نفسه بأحاسيسها وأعصابها ما وراء الأوراس إلى الهندوكوش, إنه يتابع الخطوات التي تبني حياة الأمم بمسيرتها لقد كان يعيش مع الجهاد ومجلة الجهاد وأعلام الجهاد في أرض العزة والأمجاد.

ويحدث عنه أخوه حذيفة الجزائري فيقول: ولقد كان الصدق والجدية من معالم شخصيته البارزة فتراه يقلب الأمر من جميع وجوهه حتى إذا وقر في أعماقه أنه الحق التزمه وبذل له حشاشة قلبه وعصارة نفسه.

محاولة القدوم: وكانت المحاولة الأولى للقدوم من خلال مصر فاشترى تذكرة إلى مصر لعله يحصل على تأشيرة باكستان منها بعد أن فشل في الحصول عليها من الجزائر:

المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار

وعاد إلى الجزائر ورأى أن منح التأشيرة من خلال جماعة التبليغ سهل ميسور, فارتدى الثوب القصير, وأقبل عليهم يبيت معهم في المساجد, ويخرج معهم في الجولات حتى استطاع أن يحصل على التأشيرة الباكستانية إذ كانت التذكرة تونس -موسكو- إسلام آباد.

مع إخوانه في أرض الجهاد: أقبل فوزي إلى أرض الجهاد وكان يأسر إخوانه بخلقه الرفيع وشعوره الرقيق وابتسامته الحلوة وحديثه العذب, يدخل إلى قلبك لأول لقاء, ولا تزيدك الأيام به إلا حبا, ولا المخالطة إلا اعجابا واكبارا فكيف إذا طلعت على عباداته وعرفت أنه يصوم الإثنين والخميس وبقية النوافل ولا يفوته ورده القرآني ولا أذكار الصباح والمساء إلا لماما.

فمن صدا إلى ذات الصواري إلى ميرانشاه وخوست وأخيرا إلى شكردرا.

يد المنون وفوزي: ولقد حاولت يد المنون أن تختطفه ثلاثا هكذا بدأ بشير الجزائري يحدثني عنه:

أ- أولها على الطريق إلى شكردرا حيث تعرضت القافلة إلى قصف شديد وانهمر الرصاص مطرا يشق حجب الظلام بألسنة لهيبه وتفرق القوم وتأخر فوزي قليلا لقضاء حاجته وعاد إلى الطريق ليجد نفسه وحيدا.

غريب من الخلان قد ند صحبه ... وقد أقبل الأعداء واحلولك الليل

ووقف فوزي في وحشة من الليل وغربة من الأهل وجهل من المكان فلا أنيس ولا جليس.

وافتقده إخوانه العرب في القافلة فاستوقفوها وعادوا يبحثون عنه فوجدوه وكأنه يسائل الليل والنجوم:

يا ليل الفجر متى غده ... أقيام الساعة موعده

عشاق الحور · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٣٢