تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضرب مختار برشاشه (الدكتريوف) وأفرغ مخزنه مائة طلقة فأصاب ستة منهم دفعة واحدة فارداهم قتلى, وضرب خضر أحدهم بقذيفة (آر, بي, جي 7) فأحالت الكافر إلى قطع متناثرة0

وهنا كانت المفاجأة التي لا يتصورها الخيال التفاف من قائد مجموعة من الشباب المهاجر المجاهد على الكوماندوز, اذ تقدمت مجموعة عكرمة -التي تذكر بعكرمة رضي الله عنه يوم اليرموك- من يبايع على الموت, كان في المقدمة منصور, وأبو الفضل, وعبدالله, ودارت المعركة بالقنابل اليدوية للتطهير قال لي أحد الأخوة: لقد ألقيت قنبلة أمامي وإذا بروسي يحني ظهره ليتلقي بوجهه شظايا القنبلة وبيني وبينه شجرة فقط فعلوته بالرشاش فتردى هالكا لا حراك فيه جسمه كالبغل: جسم البغال وأحلام العصافير.

شباب متعطش للموت, يبحث عن الشهادة وإلا فكيف الهجوم على الكوماندوز وكل واحد منهم تلقى أعلى مستويات التدريب, ولكن الإيمان يصنع المعجزات والروح أقوى بكثير من الأجساد.

وانتهت هذه المقابلة السريعة بين الشباب والكوماندوز بالإجهاز على كثير من الكفار وفر الباقون يحدثون لقومهم مغبة مقابلة أبناء الأيمان وضراغم الإسلام, وعاد كل شاب من هؤلاء بعد أن خوض في دماء أولئك0

وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم

منصور الشهيد

يقول لي أحد هؤلاء الشباب: رأيت منصورا وقد سقط شهيدا أثناء الإشتباك ورأيت أحد العمالقة الروس أخذ يقلب جثة منصور يتفحصها.

منصور الشهيد (أبو دجانة الثاني) عشت معه أربعة أشهر, فأحببته, قلت له من اللحظة الأولى التي أبصرته بها: أنت تشبه أخانا أبا دجانة, فقال أين نحن من أبي دجانة? وكما هو معروف أن أبا دجانة قد استشهد في معركة نهرين هذا العام, فارع الطول, ذو جسم رياضي, رجولة مع كرم, شجاعة مع حياء والرجولة عادة مقترنة بالحياء والكرم وفي الصحيح: (الحياء والإيمان مقترنان فإذا رفع احدهما رفع الآخر) 0

هو الشجاع يعد البخل من جبن ... وهو الجواد يعد الجبن من بخل

وفي منصور كثير من صفات أخينا أبي دجانة فإذا أضفت إلى هذا أن كليهما حافظ للقرآن عجبت لتوافق كثير من صفات المظهر والمخبر لكليهما0

كان منصور قليل الكلام, حييا ومع هذا كان اذا رأى عبد الرحيم في معسكر (صدا) يقول لي: ادع الله لي أن يرزقني أدب هؤلاء0

كان متقنا بارعا للسلاح, أقام في جبهة الشيخ جلال الدين حقاني ثلاثة أشهر فأحبه المجاهدون وجعلوه إماما , وكان منصور متتبعا للسنن يحاول أن يلتزم الآثار ويكره الإبتداع ويحارب الخرافات فكان إذا سمع قصة عرضها على ما يعرف من قصص السلف فان وافقت قبلها وان خالفت رفضها, وكان يسره أن نصلي التروايح ثماني ركعات وكان المحيا ذو ذكاء لماح, يحفظ الآثار, فإذا كتبت لهم الحديث او الدعاء يكون أول من يحفظ.

وولد هذا الشاب الذي يناهز السابعة والعشرين من عمره في المنيا في صعيد مصر وقد رضع رجولة أهل الصعيد وشدتهم منذ حداثة سنه وعاش فترة ليس بالقليلة في القاهرة ودرس في كلية الآداب في القاهرة وتخرج فيها من قسم اللغة العربية.

كان لايراني إلا وعلت وجهه ابتسامه مشرقة مع أغضاء الطرف حياء وأدبا اشترك في المعركة الأولى في (91) شعبان في المأسدة وكان في فرقة الإقتحام ونجاه الله لأن منيته تنتظره حتى يكمل رمضان فتضرع إلى الله أن يكون من عتقاء شهر رمضان وفي يوم عيد الفطر يوم (الجائزة) نال منصور جائزته وفي موقف بعد أن خوض في لبة الصنديد (حلقوم البطل).

ومضى منصور إلى ربه وترك في أعماقنا حسرة ونشوة, حسرة بفقده ونشوة بفوزه بالشهادة -كما نظن ولا نزكي على الله أحدا - فهنيئا لك يا منصور ونأمل أن تلتقي بأبي دجانة في عليين0

عشاق الحور · الصفحة ٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٣٥