﴿ ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ يعني: في شأن المراجعة، ويقال يجعل له مخرجا يعني: ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة، ووجه آخر أن من اتقى الله عند الشدة وصبر يجعل له مخرجا من الشدة ويرزقه من حيث لا يحتسب يعني يوسع عليه من الرزق، وقال مسروق يجعل له مخرجا قال مخرجه أن يعلم أن الله هو يرزقه وهو يمنحه ويعطيه لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع كما قال الله تعالى:
هل من خلق غير الله يرزقكم
[فاطر: 3] الآية
ثم قال عز وجل ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ يعني من يثق بالله في الرزق فهو حسبه يعني الله كافيه، وروى سالم بن أبي الجعد أن رجلا من أشجع أسره العدو فجاء أبوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا إليه فقال اصبر فأصاب ابنه غنيمة فجاء بهما جبريل - عليه السلام - ومن يتق الله يجعل له مخرجا الآية وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم فما تأمرني فقال آمرك وإياها أن تستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فرجع إلى منزله فقالت له بماذا أمرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بكذا فقالت نعم ما أمرك به فجعلا يقولان ذلك فخرج ابنه بغنيمة كثيرة فنزل قوله تعالى ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ يعني من يثق بالله في الشدة يجعل له مخرجا من الشدة ويقال المخرج على وجهين أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر ثم قال: ﴿ إن الله بلغ أمره ﴾ يعني: قاضيا أمره: قرأ عاصم في رواية حفص بالغ أمره بغير تنوين بكسر الراء على الإضافة، والباقون بالتنوين أمره بالنصب، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلا ووقتا ثم قال: ﴿ قد جعل الله لكل شىء قدرا ﴾ يعني: جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ووقتا لا يتقدم ولا يتأخر قوله تعالى: ﴿ واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما لما نزل قوله
والمطلقت يتربصن بأنفسهن ثلثة قروء
[البقرة: 228] قال معاذ بن جبل يا رسول الله لو كانت المرأة آيسة لا تحيض كيف تعتد فنزل ﴿ واللائى يئسن من المحيض من نسائكم ﴾ والآية أن تبلغ ستين سنة ويقال خمسين ﴿ إن ارتبتم ﴾ إن شككتم في عدتهن ﴿ فعدتهن ثلثة أشهر ﴾ فقام رجل آخر فقال: لو كانت صغيرة كيف عدتها وقام آخر وقال لو كانت حاملا كيف عدتها فنزل ﴿ واللائى لم يحضن ﴾ يعني: المرأة التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة ﴿ وأولت الأحمال أجلهن ﴾ يعني عدتهن. ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ وقال عمر لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره قبل أن يدفن في حفرته لانقضت عدتها وحلت للأزواج وروى الزهري عن عبد الله عن أبيه أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يوما فمر بها السنابل بن بعكك فقال لها أتريدين أن نتزوج فقالت نعم قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها قد حللت للزواج يعني انقضت عدتك ثم قال: ﴿ ومن يتق الله ﴾ يعني: يصبر على طاعة الله تعالى ﴿ يجعل له من أمره يسرا ﴾ يعني: ييسر عليه أمره ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى ويعصمه عن معاصيه ثم قال ﴿ ذلك أمر الله ﴾ يعني: هذا الذي ذكره حكم الله وفريضته ﴿ أنزله إليكم ﴾ يعني: أنزله في القرآن على نبيكم ﴿ ومن يتق الله ﴾ ويعمل بأحكامه وفريضته ﴿ يكفر عنه سيئته ﴾ في الدنيا ﴿ ويعظم له أجرا ﴾ يعني ثوابا في الجنة قرأ نافع وابن عامر نكفر عنه بالنون والباقون بالياء ومعناهما يرجع إلى شيء واحد ثم رجع إلى ذكر المطلقات