29.16-18
شرح الكلمات:
وإبراهيم: أي واذكر إبراهيم على قراءة النصب لإبراهيم، وعلى قراءة الرفع: ومن المرسلين إبراهيم.
اعبدوا الله واتقوه: أي آمنوا به ووحدوه في عبادته واتقوا أن تشركوا به وتعصوه.
أوثانا: أصناما وأحجارا وصورا وتماثيل.
وتخلقون إفكا: أي تختلقون الكذب فتقولون في الأصنام والأوثان آلهة وتعبدونها.
فابتغوا عند الله الرزق: أي اطلبوا الرزق من الله الخلاق العليم لا من الأصنام والتماثيل المصنوعة المنحوتة بأيدي الرجال بالمعاول والفؤوس.
واعبدوه: أي بالإيمان به وتوحيده واشكروه بطاعته.
وإن تكذبوا: أي يا أهل مكة بعد هذا الذي عرضنا عليكم من الآيات والعبر فقد كذب أمم من قبلكم.
وما على الرسول: أي محمد صلى الله عليه وسلم.
إلا البلاغ المبين: وقد بلغ وبين فبرئت ذمته وأنتم المكذبون ستحل بكم نقمة الله.
معنى الآيات:
هذا القصص معطوف على قصص نوح لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ولتذكير قريش بأنها في إصرارها على الشرك والتكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم صائرة إلى ما صار إليه المكذبون من قبل إن لم تتب إلى الله وترجع إليه بالإيمان والطاعة وترك الشرك والمعاصي قال تعالى: ﴿ وإبراهيم ﴾ أي واذكر يا رسولنا إبراهيم خليلنا ﴿ إذ قال لقومه ﴾ البابليين ومن بينهم والده آزر يا قوم ﴿ اعبدوا الله ﴾ أي بتوحيده في عبادته ﴿ واتقوه ﴾ بترك الشرك والعصيان وإلا حلت بكم عقوبته ونزل بكم عذابه وقوله ﴿ ذلكم خير لكم ﴾ أي الإيمان والتوحيد والطاعة خير لكم من الكفر والشرك والعصيان. إذ الأول يجلب الخير والثاني يجلب الشر ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ الخير والشر وتفرقون بينهما وقوله عليه السلام ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا ﴾ يخبرهم معرفا لهم بخطئهم فيقول ﴿ إنما تعبدون من دون الله أوثانا ﴾ أي أصناما وتماثيل وعبادة الأصنام والأوثان عبادة باطلة لا تجلب لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضرا. إن الذي يجب أن يعبد الله الخالق الرازق الضار النافع المحيي المميت السميع البصير. أما الأوثان فلا شيء في عبادتها إلا الضلال واتباع الهوى. وقوله لهم ﴿ وتخلقون إفكا ﴾ أي وتصنعون كذبا تختلقونه اختلاقا عندما تقولون في التماثيل والأصنام إنها آلهة. وقوله عليه السلام لقومه ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ﴾ يخبرهم عليه السلام معرفا لهم بحقيقة هم عنها غافلون وهي أن الذين يعبدونهم من دون الله لا يملكون لهم رزقا لأنهم لا يقدرون على ذلك فما الفائدة إذا من عبادتهم وما الحاجة الداعية إليها لولا الغفلة والجهل، ولما أبطل لهم عبادة الأصنام أرشدهم إلى عبادة الله الواحد القهار فقال ﴿ فابتغوا عند الله الرزق ﴾ إن كنتم عبدتم الأصنام لذلك فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فاطلبوا عنده الرزق فإنه مالكه والقادر على إعطائه ﴿ واعبدوه ﴾ بالإيمان به وبرسوله وبتوحيده ﴿ واشكروا له ﴾ يرزقكم ويحفظ عليكم الرزق وقوله ﴿ إليه ترجعون ﴾ ذكرهم بعلة غفلتهم ومصدر جهلهم وهي كفرهم بالبعث فأعلمهم أنهم إليه تعالى لا إلى غيره يرجعون.
إذا فليتعرفوا إليه ويعبدوه طلبا لرضاه وإكرامهم يوم يلقونه. وقوله تعالى ﴿ وإن تكذبوا ﴾ أي يا أهل مكة رسولنا وتنكروا وحينا وتكفروا بلقائنا فلستم وحدكم في ذلك. ﴿ فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ قوم نوح وعاد وفرعون وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وغيرهم ﴿ وما على الرسول ﴾ أي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ المبين وقد بلغكم وأنتم الآن بين خيارين لا ثالث لهما: الأول أن تتعظوا بما أسمعناكم وأريناكم من آياتنا فتؤمنوا وتوحدوا وتطيعوا فتكملوا وتسعدوا وإما أن تبقوا على إصراركم على الشرك والكفر والعصيان فسوف يحل بكم ما حل بأمثالكم، إذ كفاركم ليسوا بخير من كفار أولئكم الذين انتقم الله منهم وأذاقهم سوء العذاب. هذا ما دلت عليه الآية [18] وهي معترضة بين الآيات التي اشتملت على قصص إبراهيم عليه السلام. وسر الاعتراض هو وجود فرصة في سياق الكلام قد تلفت أنظار القوم وتأخذ بقلوبهم إذ الآيات كلها مسوقة لهدايتهم.