ولم نجد الله تعالى فعل ذلك بأحد من الأنبياء قبله، بل وجدناه خلى بين الأنبياء وبين اختيارهم لأنفسهم فيما يعزمون عليه ويتخيرون فيه، فأخبر عن سليمان عليه السلام في شأن غيبة الهدهد عنه في وقت الحاجة منه إليه، وعزمه على ما عزم عليه، فقال: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) الاية، ثم لم نجد الله اختار له ترك العقوبة ولا فرض عليه إيثار العفو بل وجدناه ساكتا عن الاختيار له في ذلك، وكذلك وجدناه فعل بنوح عليه السلام في مقابلته فعل الكفرة بمثله، ولم نجده اختار له ترك ذلك فقال: ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم الاية، ولم نجده اختار له الكف عن مقابلتهم والميل إلى الأحسن من العفو والصفح فيهم، وكذلك وجدناه فعل بيوسف في قوله لإخوته: فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60) الاية، ولم نجده اختار له ترك ذلك وأمره بإيفاء كيلهم إذ كان ذلك أحسن به وأجمل وأرفق بهم وأولى، بل تركهم كلهم، وإيثار ما يعزمون عليه من أفعالهم.
- أخرج القصة ابن جرير في تفسيره من حديث عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر [6/ 144] ، وأبو نعيم في الدلائل من حديث ابن عباس برقم 425، وابن جرير من حديث مجاهد [6/ 144، 156] .
وأخرج ابن جرير [6/ 157] ، من حديث قتادة في قوله تعالى: فاعف عنهم واصفح الاية، قال: لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الاية.