تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: هذا الذي نقله عن البخاري يبيّن رأي البخاري في العلاقة بين حديث الزهري وبين حديث ابن إسحاق وأنه لا منافاة بينهما، وهو الآتي.

3 - تحدّث الألباني عن حديث الترمذي وكلامه وأنه لا مفاضلة بين حديث الزهري وبين حديث ابن إسحاق! وفي هذا كلّه نظر!

أخرج الترمذي في ((الجامع)) (2/ 116) الحديث من طريق عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: ((صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبحَ، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني أراكم تقرؤن وراء إمامكم؟ قال: قلنا: يا رسول الله، إي والله، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)).

قال الترمذي: "حديث عبادة حديث حسن. وروى هذا الحديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)). قال: وهذا أصحّ".

قلت: رجّح الشيخ الألباني حديث الزهري على حديث ابن إسحاق، وعاب على الترمذي أنه فاضل بينهما! وبنى هذا على أن حديث ابن إسحاق معلول بثلاث علل!

قلت: يسلّم للشيخ هذا الكلام إذا كانت هذه العلل المزعومة صحيحة! ولكنها ليست كذلك، فلا علل في حديث مكحول، وإنما هو توهم.

وقد علّق الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- على كلام الترمذي فقال: "يشير الترمذي إلى الحديث الذي مضى برقم (247)، وكأنه بذلك يزعم أنهما حديث واحد، وأن الزهري ومكحولاً اختلفا على محمود بن الربيع، وليس كما زعم، بل هما حديثان متغايران، لا يعلل أحدهما بالآخر، وحديث مكحول حديث صحيح لا علة له".

قلت: نعم، هما حديثان كما قال الشيخ شاكر، فلا اختلاف على محمود بن الربيع؛ وحاصل ما في الأمر أن الزهري روى جزءاً من الحديث، وأتى به مكحول تاماً، فذكر القصة، وزاد الاستثناء، وهذه الزيادة صحيحة كما أشار إليها الإمام البخاري.

4 - أما إعلال الشيخ الحديث بتدليس مكحول فهذا مما لا ينقضي منه العجب! فأين التدليس هنا؟! فهل إذا روى مكحول الحديث عن عبادة مباشرة، ثم رواه مرة أخرى فبين الواسطة تبيّن أنه دلسه؟!

وأما قوله بأن مكحولاً لم يصرح بالسماع من نافع ولا من محمود يكفي لإعلال الحديث بالإنقطاع فكلام غير صحيح؛ لأننا إذا مشينا على هذا المنهج أسقطنا كل روايات المدلسين في الصحيحين وخارجهما! فمكحول بيّن الواسطة بينه وبين عبادة، وهو تابعي كبير مكثر، وسمعه من اثنين عن عبادة، فأين التدليس، وإن لم يصرح بالسماع؟! والأئمة قبلوه ولم يعلّه أحد منهم بالتدليس.

ثُم إن مسألة العنعنة كثيراً ما تكون من تصرف الرواة دون الراوي الذي حدث به، ولا نشك أن مكحولاً سمعه من نافع ومن محمود، ولكن الرواة عنه لم يذكروا صيغة التحديث وإنما عنعنوه على عادتهم في الإختصار تخففاً.

5 - أما زعمه جهالة نافع بن محمود فلا يصح! نعم هو اعتمد على كلام ابن عبدالبر، والذهبي! والجهالة عند المتأخرين تختلف عن مفهوم الجهالة عند المتقدمين؛ فكم من راو حاله حال نافع هذا وقد وثقه الأئمة وصححوا حديثه. فحديثه مستقيم وهو من أصحاب الصحابة فكيف يجهّل؟! وقد حسّن حديثه الترمذي والدارقطني، واحتج به البخاري.

وزعمه أن ابن حبان يوثق المجهولين فهو مما انتشر بين طلبة الحديث أن ابن حبان متساهل في توثيق المجهولين وليس كذلك؛ فإن ابن حبان وضع شروطاً في كتابه الثقات لقبول حديث من لا يوجد فيهم جرح ولا تعديل، وقلّ من يتنبه إلى هذا.

6 - أما قوله بأن ابن حجر لم يعتد بتوثيق ابن حبان له لأنه قال فيه "مستور" فهذا لأن الشيخ يظن أن المستور عند ابن حجر مجهول! وليس كذلك؛ فإن مرتبة مستور عند ابن حجر أعلى من مرتبة مجهول الحال، لا المجهول المطلق كما هو ظاهر كلام الألباني؛ وابن حجر يحسّن حديث المستور.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٩٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٩٨٦