7 - زعم الشيخ أن ابن حبان قال: "حديثه معلل" تبعاً للذهبي! والشيخ الألباني -رحمه الله- تلقف كلام بعض الأئمة وأجراه كما هو دون الرجوع إلى الأصول! فابن حبان لم يعلله -كما سبق بيان ذلك- وإنما أقر بأنهما حديثان أحدهما مختصر وهو حديث الزهري، والآخر أتم. فأين التعليل المزعوم.
نعم، قال بأنهما متباينان، وهذا صحيح في صورتهما هذه، ولكن حديث مكحول فيه زيادة، وهي مقبولة عند أهل النقد كالبخاري والدارقطني والبيهقي وغيرهم.
7 - بنى الشيخ الألباني نكارة رواية ابن إسحاق التي فيها محمود بن الربيع على الاختلاف بين ابن إسحاق وزيد بن واقد، وفي هذا نظر شديد؛ لأنهما روايتان مختلفتان. نعم يمكن القول بصحة قوله إذا كان الحديث غير معروف من طريق محمود بن الربيع، والحديث عنه في الصحيحين دون الاستثناء، فطالما أن الحديث عند محمود عن عبادة، فما المانع أن يسمعه من مكحول، ويسمعه أيضاً من نافع بن محمود بن ربيعة؟ وبناءً على هذا لا نستطيع أن أن نقول بأن ابن إسحاق خالف زيد بن واقد، ونقول بأن رواية ابن إسحاق شاذة؛ لأن الحديث رواه محمود بن الربيع عن عبادة مختصراً.
8 - نسب الألباني إلى زيد بن واقد زيادة، وقال بأنها "زيادة ثقة مقبولة"، وهي أنه زاد بين مكحول ومحمود نافعاً، وأعلّ بهذا رواية ابن إسحاق!
قلت: أحياناً تحسّ أن الشيخ الألباني -رحمه الله- يكون متحمساً في الدفاع عن مسألة معينة في ذهنه، فيحاول أن يثبت رأيه بأي طريقة، ويظن نفسه أنه أصاب في ذلك! وعند تتبع ما قال تجده قد حاد عن الصواب. فأين الزيادة المزعومة في الحديث؟!
انظر -رحمك الله- إلى أسانيد الحديث:
- محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع الأنصاري عن عبادة بن الصامت.
- زيد بن واقد وحرام بن حكيم عن مكحول عن نافع بن محمود بن ربيعة عن عبادة.
فأين زيادة زيد بن واقد "نافع" بين مكحول وبين محمود؟!
هما طريقان لا علاقة لأحدهما بالآخر. وكان يتجه كلامه بالزيادة لو كان الإسناد: زيد بن واقد عن مكحول عن نافع بن محمود عن محمود عن عبادة! ولكن هذا الإسناد هكذا غير موجود! فكيف إذن تعل رواية ابن إسحاق برواية زيد بن واقد.
وغاية ما في الأمر -إن سلمنا- أن ابن إسحاق أخطأ فيه؛ فإنه جعله عن مكحول عن محمود بن الربيع، والصواب أنه عن مكحول عن نافع بن محمود.
وكأن الشيخ الألباني بنى فكرته على أن نافعاً هو نافع بن محمود بن الربيع، فأسقط ابن إسحاق اسم "نافع" فقال: "عن محمود بن الربيع"! وقد حققت فيما سبق أن نافعاً هو ابن محمود بن ربيعة صاحب عبادة.
9 - رجّح الشيخ الألباني رواية نافع بن محمود عن عبادة ثم أعلها بجهالة نافع وعنعنة مكحول! وهذا مردود؛ لأن نافعاً ليس بمجهول، وقد جاء سماعه من عبادة عند الدارقطني في ((السنن)) (1/ 320) وقد أخبر بقصة حصلت معه، وهذا يدل على صدقه. وعنعنة مكحول لا تضر. فالحديث ليس بضعيف، بل صحيح. صححه البخاري والدارقطني والبيهقي وغيرهم، ولله الحمد والمنة.
· اتباع الشيخ الحويني للشيخ الألباني:
تكلّم الشيخ الحويني على حديث ابن إسحاق في كتابه ((غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود)) (1/ 272) ونقل تصحيح الأئمة له، ثم قال: "قلت: كذا قالوا!! ولكن الحديث ضعيف، وفيه علل ثلاثة: 1 - 2 - تدليس محمد بن إسحاق، ومكحول. 3 - الاضطراب على مكحول في إسناده. كما حققته في ((إسحاق [كذا! وهو تحريف، والصواب: إتحاف] الناقم بوهم الذهبي مع الحاكم)) يسر الله إتمامه". انتهى كلامه.
قلت: هذا التحقيق لن يخرج عن كلام الشيخ الألباني، وهذه العلل الثلاثة هي التي نفسها التي قالها الشيخ الألباني، وقد بينا ما فيها. وكان ينبغي على الشيخ الحويني أن ينسب هذه العلل للشيخ الألباني.
وأما كتابه المُشار إليه فإنه قائم على فكرة باطلة انتشرت عند المتأخرين، وهي أن الذهبي يوافق الحاكم في أحكامه على الأحاديث، وهذا ليس بصحيح! فالذهبي ناقلٌ وملخصٌ فقط لكلام الحاكم، فهو لا يقرّه على خطأه، وكان أثناء التلخيص إذا مرّ بشي استنكره وحضره الكلام في الراوي أو في الحديث فإنه يتكلم، وإلا فهو ملخص لكلام الحاكم لا أكثر ولا أقل.