قلت: العجب من منهج الشيخ الألباني -رحمه الله وغفر له- فإنه يعل الأحاديث الصحيحة بأدنى شيء، ويصحح الضعيف بلا شيء!! وعلى كلامه ملحوظات:
1 - أما العلة الأولى وهي عنعنة ابن إسحاق فقد أشار الشيخ نفسه إلى أنه صرّح بالتحديث في إحدى الروايات، وعليه فلا داعي لذكر هذا الكلام! ثُم هب أنه لم تأت رواية مصرحة بالسماع فلا نستطيع أن نعلل كل حديث رواه ابن إسحاق بالعنعنة! فها هو الإمام البخاري قد أورد رواية ابن إسحاق عن مكحول بالعنعنة واحتج بها، ونقل عن بعض الأئمة احتجاجهم بابن إسحاق. (جزء القراءة خلف الإمام: ص40، 61).
قال البيهقي في كتاب ((القراءة خلف الإمام)) (ص58): "أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه: أنبأنا علي بن عمر الحافظ: حدثنا ابن صاعد: حدثنا عبيدالله بن سعد: حدثنا عمي: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني مكحول بهذا. وهذا إسناد صحيح ذكر فيه سماع محمد بن إسحاق من مكحول. وأخرج محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- هذا الحديث في كتاب ((وجوب القراءة خلف الإمام)) عن أحمد بن خالد الوهبي عن محمد بن إسحاق، واحتج به وقال: رأيت علي بن عبدالله المديني يحتج بحديث ابن اسحاق. قال: وقال علي عن ابن عيينة: ما رأيت أحداً يتهم ابن اسحاق".
وقال البيهقي في ((السنن الكبرى)) (2/ 164): "رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون وجماعة عن محمد بن إسحاق بن يسار، ورواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، وذكر فيه سماع ابن إسحاق من مكحول"، ثُم ساقه من طريق الدارقطني، ونقل قول الدارقطني: "هذا إسنادٌ حسن".
2 - ما فعله مكحول ليس اضطراباً.
فالحديث حدّث به مكحول عن نافع بن محمود عن عبادة، وحدّث به عن محمود بن الربيع عن عبادة، وحدث به عن عبادة دون واسطة، فهل هذا اضطراب منه؟! حاصل الأمر أن الحديث عنده من طريقين: عن نافع عن عبادة، وعن محمود بن الربيع عن عبادة، وكان أحياناً يحدث به عن عبادة مباشرة، وهذا ما يفعله بعض الرواة المكثرين وخاصة إذا كانوا من الفقهاء كمكحول؛ لأن تحديثه به عن عبادة دون ذكر الواسطة يدل على أنه حدث به في الفتوى، وهذا مثل أسلوب الزهري -رحمه الله- فإنك تجد له بعض الأحاديث يحدث بها كما حدث مكحول هنا، فلا يسمي أهل النقد هذا ((اضطراب))، بل يدل ذلك على سعة روايته وعلمه، وأن هذه الطرق كلها عنده.
قال الإمام البيهقي في كتاب ((القراءة خلف الإمام)) (ص69): "فهذا حديثٌ سمعه مكحول الشامي، وهو أحد أئمة أهل الشام، من محمود بن الربيع ونافع بن محمود، كلاهما عن عبادة بن الصامت، وسمعه حرام بن حكيم من نافع بن محمود عن عبادة، وسمعه رجاء بن حيوة، وهو أحد أئمة أهل الشام، من محمود بن الربيع عن عبادة إلا أن من شأن أهل العلم في الرواية أن يروى الحديث مرة متوصلة، ويرويه أخرى مترسلة، حتى إذا سئل عن إسنادة فحينئذ يذكره، ويكون الحديث عنده مسنداً وموقوفاً فيذكره مرة مسنداً، ومرة موقوفاً، والحجة قائمة بموصوله وموقوفه، وفي وصل من وصله دلالة على صحة مخرج حديث من أرسله وإرسال من أرسله شاهد لصحة حديث من وصله، وفي كلّ ذلك دلالة على انتشار هذا الحديث عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم مسنداً، ثم من فتواه به موقوفاً. وإنما تعجب من تعجب من قراءته خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه بالقراءة لذهاب من ذهب إلى ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر الإمام فيه بالقراءة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لي أنازع القرآن. ولم يسمع استثناء النبي صلى الله عليه وسلم قراءة فاتحة الكتاب سراً. وقوله صلى الله عليه وسلم: فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، وسمعه عبادة بن الصامت وأتقنه وأداه وأظهره فوجب الرجوع إليه في ذلك. قال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله- فيما قرأته من كتابه: والذي زاد مكحول وحرام بن حكيم ورجاء بن حيوة عن ابن الربيع عن عبادة فهو تبع لما روى الزهري قال: حدثني محمود بن الربيع أن عبادة أخبره عن النبي صلى الله عليه وسلم- يعني قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".