قلت: لا دليل على أن نافع بن محمود هو ابن محمود بن الربيع! وقد وهم من قال بأنه ابنه!
نعم، نافع بن محمود وهو ابن ربيعة سمع من عبادة، وكذلك محمود بن الربيع سمع من عبادة، وكونهما سمعا من عبادة وأن في اسميهما تشابهاً لا يعني أنهما أقرباء، والله أعلم.
وقد روى الطبراني في ((مسند الشاميين)) (4/ 387) من طريق محمد بن عمر الواقدي قال: حدثنا أسامة بن زيد الليثي، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الخزرجي، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقول ما لي أنازع القرآن)).
قلت: وهذا لا يصح! تفرد به الواقدي، وهو متّهم.
· هلْ غَلِط الوليد بن مسلم في إسناد هذا الحديث؟
روى الدارقطني في ((سننه)) (1/ 319) عن أبي محمد ابن صاعد قال: حدثنا أبو زرعة عبدالرحمن بن عمرو بدمشق، قال: حدثنا الوليد بن عتبة، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني غير واحد منهم سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم: أنه سمع عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هل تقرءون في الصلاة معي؟)) قلنا: نعم. قال: ((فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)).
وقال ابن صاعد: قوله: "عن أبي نعيم" إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد عن أبي نعيم عن عبادة".
ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (2/ 165) ثُمّ قال: "وهذا خطأ! إنما المؤذن والإمام كان أبو نعيم. والحديث عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة، وعن مكحول عن نافع بن محمود عن عبادة، فكأنه سمعه منهما جميعاً".
وقال في ((القراءة خلف الإمام)) (ص66): "وقد غلط الوليد بن مسلم في إسناده ... أبو نعيم كان المؤذن والراوي عن عبادة محمود بن الربيع، فغلط فيه الوليد".
قلت: قد يكون الوليد وهم فيه، وربما يكون أصاب فيه؛ فإن هذا الحديث رواه مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة، ومحمود بن الربيع كنيته ((أبو نعيم)).
نعم جاء في رواية نافع بن محمود أن المؤذن والإمام ((أبو نعيم)) فلعله هو نفسه محمود بن الربيع ختن عبادة، فيكون الذي حَدَث هو أن أبا نعيم أمّ بالصلاة، وكان وراءه عبادة ونافع بن محمود بن ربيعة، فلما قُضيت الصلاة سأل نافعاً عبادة عن قراءته بفاتحة الكتاب وأبو نعيم يجهر بالصلاة، بحضور أبي نعيم محمود بن الربيع، فأجاب عبادة بما حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، فسمع الحديث منه نافع بن محمود ومحمود بن الربيع، والله تعالى أعلم.
· دعوى ابن عبدالبر باضطراب الحديث!
قال ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (11/ 46): "أما حديث محمد بن إسحاق فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبدالله بن عمرو قال: صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف قال لنا: هل تقرأون القرآن إذا كنتم معي في الصلاة؟ قلنا: نعم. قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن. ورواه زيد بن خالد عن مكحول عن نافع بن محمود عن عبادة. ونافع هذا مجهول، ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء".
وتابعه على ذلك ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) فقال: "وفي التمهيد خولف ابن إسحاق فرواه الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبدالله بن عمرو، فذكره".
قلت: أين الاضطراب المزعوم! ثُم إن ابن عبدالبر قد بنى كلامه على رواية باطلة! أخرجها الطبراني في ((مسند الشاميين)) (3/ 207) من طريق مسلمة بن عليّ الخشني الدمشقي عن الأوزاعي عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبدالله بن عمرو قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرف قال: ((هل تقرؤون القرآن معي إذا كنتم معي في الصلاة؟)) قلنا: نعم. قال: ((فلا تفعلوا إلا بأم القرآن)).
قلت: ومسلمة هذا ليس بشيء، متروك الحديث. وقد ذكره ابن حبان في ((المجروحين)) (3/ 33)، وقال: "كان ممن يقلب الأسانيد، ويروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم توهماً فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج به". ثُم ذكر له هذا الحديث.