· هل أبو عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض أبو عياض آخر؟! وهل قيس بن ثعلبة هو أبو عياض عمرو بن الأسود أم هو آخر؟!
قال المزي في ((تهذيب الكمال)) (21/ 544) في ترجمة ((عمرو بن الأسود أبي عياض)): "وقيل إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض والعراقيون رجل آخر، فالله أعلم".
ونقل ذلك ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (8/ 5) ثُم قال: "قلت: كذا حكى ابن أبي حاتم عن أبيه، وقال: اسمه مسلم بن ندير".
وقال في ((الإصابة)) (القسم الثالث) (5/ 159) في ترجمة ((عمير بن الأسود)): "وقيل: إن أبا عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض آخر. قال أبو حاتم الرازي: اسمه مسلم بن نذير".
وقال في ((تهذيب التهذيب)) (12/ 213): "وأما الراوي عن زياد بن فياض فجزم المزي في ((الأطراف)) بأنه الذي روى عنه مجاهد. وذكر حديث النهي عن الانتباذ في الأوعية من طريق مجاهد عن أبي عياض عن عبدالله بن عمرو، وهو في الصحيحين والنسائي. ومن طريق زياد بن فياض عن أبي عياض عن عبدالله بن عمرو بمعناه، وهو عند أبي داود وجزم بأنه عمرو بن الأسود. وصنيع النسائي في ((الكنى)) يقتضي أن الذي روى عنه زياد بن فياض غير الذي روى عنه مجاهد، وأن الذي روى عنه مجاهد هو عمرو بن الأسود، فإن الذي روى عنه زياد بن فياض لا يعرف اسمه، فإنه لا يذكر في الكتاب إلا من عرف اسمه، ولم يذكر الذي روى عنه زياد بن فياض مع أنه أخرج له في ((السنن)) حديثاً، فدلّ على أنه غيره، والله تعالى أعلم. وأما قول أبي حاتم أنه صاحب علي وأن اسمه مسلم بن نذير فغريب! والمعروف أن كنيته مسلم بن نذير أبو نذير، والله تعالى أعلم".
قلت: أبو عياض الذي يروي عنه زياد بن فياض هو نفسه الذي يروي عنه مجاهد وهو كوفي، وليس عمرو بن الأسود العنسي، فهذا شاميّ. وقد أصاب من قال بأن الذي يروي عنه زياد بن فياض والعراقيون أبو عياض آخر. ووهم من قال بأن الذي روى عنه مجاهد هو عمرو بن الأسود أبو عياض الشامي، وإنما هو أبو عياض الكوفي، ومن قال بأن الذي روى عنه مجاهد هو عمرو بن الأسود استند إلى قول مجاهد: "حدثنا أبو عياض في خلافة معاوية"، فظن بعضهم أنه يقصد عمرو بن الأسود الشامي، وليس كذلك! فإنه لا دليل على أنه سمع من أبي عياض عمرو بن الأسود الشامي، بل إنه يقصد أبي عياض الكوفي.
ومما يؤيد هذا ما رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (2/ 4) عن وكيع، عن شعبة، عن الحكم، قال: ((كان أبو عياض مستخفياً فجاءه مجاهد يوم عيد، فصلى بهم ركعتين ودعا)).
ورواه عبدالرزاق في ((مصنفه)) (3/ 301) عن ابن التيمي وغيره، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: ((كان أبو عياض ومجاهد متواريين زمن الحجاج، وكان يوم فطر، فتكلّم أبو عياض ودعا لهم وأمّهم بركعتين)). قال: وأخبرنا شعبة عن قتادة عن عكرمة مولى ابن عباس أنه كان يقول مثل ذلك.
قلت: فهذه الحكاية الصحيحة تثبت أن مجاهد كان صاحباً لأبي عياض الكوفي لا الشامي؛ لأن عمرو بن الأسود الشامي توفي زمن معاوية، ومعاوية توفي سنة (60هـ)، وهذه القصة وقعت لمجاهد مع أبي عياض زمن الحجاج، أي بعد سنة (70هـ)، وإمامة أبي عياض تدل على مكانته وأنه شيخ مجاهد.
وأما قول مجاهد أن أبا عياض حدثه زمن معاوية فلا يدل على أنه يقصد الشامي، بل الكوفي، ولذلك أورد البخاري قول مجاهد هذا في ترجمة قيس بن ثعلبة الذي يرجح ابن المديني أنه أبو عياض الكوفي الذي نتحدث عنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فإذا تبيّن هذا فإن رواية مجاهد وزياد بن فياض للحديث نفسه يدل على أن أبا عياض الوارد في حديث الصوم هو أبو عياض الكوفي لا أبو عياض عمرو بن الأسود الشامي، وقد جاء في كلّ روايات الحديث ((عن أبي عياض)) غير مسمى، وفي هذا دلالة على أنه معروف ومشهور عند الكوفيين، ولهذا لم يسمه أحد منهم.