· من فرّق بين ناجية صاحب البدن وناجية بن الأعجم:
وقال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (4/ 314): "ناجية بن جندب الأسلمي: من بني سهم، بطن من أسلم. شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على هديه حين توجه الى الحديبية، وأمره أن يقدمها إلى ذي الحليفة ... قال محمد بن عمر: وشهد ابن جندب فتح مكة، واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على هديه في حجة الوداع، وكان ناجية نازلاً في بني سلمة، ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان".
وقد فرّق أهل العلم بين ناجية صاحب البدن وبين ناجية بن الأعجم. فذكر ابن سعد بعد ترجمة ناجية صاحب البدن: "ناجية بن الأعجم الأسلمي: شهد الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخبرنا محمد بن عمر -هو الواقدي-قال: حدثني الهيثم بن واقد، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، قال: حدثني أربعة عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنّ ناجية بن الأعجم هو الذي نزل بالسهم في البئر بالحديبية فجاشت بالرواء حتى صدروا بعطن)). وقال محمد بن عمر: ويُقال الذي نزل بالسهم: ناجية بن جندب، ويُقال: البراء بن عازب، ويُقال: عباد بن خالد الغفاري. والأول أثبت أنه ناجية بن الأعجم. وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لأسلم لواءين، فحمل أحدهما ناجية بن الأعجم، والآخر بريدة بن الحصيب. ومات ناجية بن الأعجم بالمدينة في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، وليس له عقب".
قلت: فرّق ابن سعد بينهما تبعاً لشيخه الواقدي، ونقل بعض أهل العلم هذا الاختلاف في الذي نزع بالسهم يوم الحديبية، فذكروا من بينهم ناجية بن جندب وناجية ابن الأعجم. قال ابن حجر في ((الإصابة)) (2/ 240): "يحتمل التعدد". وقال في ((الفتح)) (5/ 337): "ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره".
وذكر ابن حجر في ((الإصابة)) (6/ 398): "ناجية بن الأعجم الأسلمي ذكره ابن سعد في الصحابة، وقال: لا عقب له". وذكره ابن أبي حاتم وحكى عن أبيه أنه قال: "لا أعرفه". وقال ابن شاهين في ((الصحابة)): "مات بالمدينة في آخر خلافة معاوية".
ثُمّ ذكر ابن حجر في ((الإصابة)) (6/ 399): "ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن وائلة بن سهم بن مازن بن سلامان بن أسلم الأسلمي. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم: أن الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الأسلمي صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وزعم بعض أهل العلم: أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلت. قال ابن إسحاق: وزعمت أسلم أن جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يميح على الناس فقالت:
يا أيها المائح دلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
قال: فأجابها:
قد أقبلت جارية يمانيه أني أنا المائح واسمي ناجيه
وقال سعيد بن عفير: كان اسمه ذكوان فسماه النبي صلى الله عليه وسلم ناجية، حين نجا من قريش. وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن ناجية صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات بالمدينة في خلافة معاوية. وأخرج الحسن بن أبي سفيان في ((مسنده)) من طريق موسى بن عبيدة عن عبدالله بن عمرو بن أسلم عن ناجية بن جندب قال: كنا بالغميم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر قريش أنها بعثت خالد بن الوليد جريدة خيل يتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكره رسول الله أن يلقاه، وكان بهم رحيماً، فقال: من برجل يعدلنا عن الطريق؟ فقلت: أنا بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: فأخذت بهم في طريق قد كان بها فدافد وعقاب فاستوت لي الأرض حتى أنزلته على الحديبية، وهي تنزح. قال: فألقى فيها سهماً أو سهمين من كنانته، ثم بصق فيها، ثم دعا بها فعادت عيونها حتى أني أقول: لو شئنا لاغترفنا قداحنا. ووقع لنا بعلو في ((المعرفة)) لابن منده وكذا أخرجه ابن السكن والطبراني من طريق موسى بن عبيدة، وهو عندهم بالشك: ناجية بن جندب أو جندب بن ناجية، وموسى ضعيف. ولناجية بن جندب حديثٌ آخر أخرجه ابن منده من طريق مجزأة بن زاهر عن أبيه عن ناجية بن جندب قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم حين صد الهدي. قلت: يا رسول الله، ابعث معي بالهدي حتى أنحره في الحرم. قال: وكيف تصنع؟ قال: قلت آخذ في أودية لا يقدرون عليّ. قال: فدفعه إليّ فنحرته في الحرم. قال ابن منده: "تفرد به مخول بن إبراهيم عن إسرائيل عنه، ورواه عنه أبو حاتم الرازي وغيره". كذا قال! وقد أخرجه النسائي من طريق عبيدالله بن موسى عن إسرائيل مثله. وأخرجه أبو نعيم من طريق محمد بن عمرو بن محمد المنقري عن إسرائيل، لكن قال فيه: عن ناجية عن أبيه، وكذا أخرجه الطحاوي من طريق مخول".