ثُمّ ساق حديث يحيى بن زكريا من طريق فيه سماع [وقد سقط شيء من الإسناد في المطبوع]! عن عبدالله بن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن القعقاع بن أبي حدرد، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة)).
قال ابن عساكر: "وقوله فيه "سمعت" وهم! فقد رواه محمد بن يحيى الذهلي -وكان من الحفاظ- عن محمد بن سابق، فقال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك في حديث صفوان بن عيسى عن عبدالله بن سعيد، وعبدالله ضعيف بمرة".
قلت:
1 - أما بالنسبة لوهم البغوي فصحيح، فإن المذكور في الحديث ليس عبدالله بن أبي حدرد، فوهم البغوي في ذكره في ترجمته.
2 - وأما بالنسبة لقول ابن عساكر فليس بصحيح! وهذا الحديث إنما نُسب إلى القعقاع أخي عبدالله، وليس للقعقاع ابن عبدالله، فوهم ابن عساكر فيه.
3 - قوله بأنه مرسل؛ من أجل أنه عدّ الحديث للقعقاع ابن عبدالله لا للقعقاع الصحابي، وهو خطأ.
4 - عدّ ابن عساكر أن الوارد في رواية صفوان ويحيى ((القعقاع بن أبي حدرد)) هو القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد، واعتمد في ذلك على أن السماع الوارد في حديث يحيى خطأ! وكلامه هذا من الأوهام العجيبة! فكيف يتكلم على السماع الخطأ أو الصحيح وراوي الحديث متروك أصلاً!!
· وهم لابن عبدالبر!
قال ابن عبدالبر في ((الاستيعاب)) (3/ 1283): "القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي: روى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة. رواه عنه سعيد المقبري. وروى القعقاع هذا أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنه مر بناس من أسلم وهم يتناضلون قال: ارموا يا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع ابن الأكوع، الحديث. للقعقاع ولأبيه جميعاً صحبة، وقد ضعّف بعضهم صحبة القعقاع؛ لأن حديثه لا يأتي إلا من طريق عبدالله بن سعيد بن أبي سعيد، وهو ضعيف".
قلت: وقع ابن عبدالبر في الخطأ الذي نبّه إليه البخاري، فإنه قال من سمى القعقاع بن أبي حدرد القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد فقد وهم! لأن القعقاع بن عبدالله تابعي، والقعقاع بن أبي حدرد هو عمه وهو صحابي، والحديث منسوب إليه. فوهم ابن عبدالبر في اسم الصحابي.
ثُمّ إن تضعيف الأئمة للحديث بسبب ضعف سعيد بن أبي سعيد ليس تضعيفاً لصحبة القعقاع بن أبي حدرد كما ذهب إليه ابن عبدالبر! فصحبته ثابتة، والحديث الذي نُسب إليه لا يصح، وهذا معنى كلام البخاري المتقدم.
فالقعقاع بن أبي حدرد صحابي باتفاق، والقعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد ليس بصحابي، وأبوه عبدالله صحابي.
قال الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) (5/ 449): "القعقاع بن أبي حدرد الأسلمي. قال البخاري: له صحبة، وحديثه عند عبدالله بن سعيد المقبري، ولا يصح. ويقال: القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد. وكذا ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه. وروى البغوي وابن شاهين والطبراني من طريق عبدالله بن سعيد بن سعيد المقبري عن أبيه عن القعقاع بن أبي حدرد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((تمعددوا واخشوشنوا وامشوا حفاة)). قال الطبراني: لا يروى عن القعقاع إلا بهذا الإسناد! تفرد به صفوان بن عيسى عن عبدالله ابن سعيد. وقال ابن السكن: ذكره بعضهم وأنه من الصحابة ولم يثبت، والمشهور بالصحبة والده عبدالله بن أبي حدرد. قلت: ولأبي عمر فيه وهم يأتي بيانه في القسم الأخير".
قلت: كأن ابن السكن خلط أيضاً بين القعقاع الصحابي وابن أخيه، فعدّ هذه الرواية للتابعي ونفى الصحبة عنه. وهذا صحيح، فالتابعي لا صحبة له، ولكن الحديث ليس للتابعي، وإنما منسوب للقعقاع الصحابي!
· الوهم الذي أشار إليه ابن حجر لابن عبدالبر ومناقشته في ذلك!
قال ابن حجر في (القسم الأخير) من ((الإصابة)) (5/ 554): "القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي: ذكره ابن عبد البر، وقال: روى حديثين أحدهما: تمعددوا واخشوشنوا، والثاني: مر بقوم ينتضلون، فقال: ارموا فإن أباكم كان رامياً. قال أبو عمر: للقعقاع صحبة ولأبيه صحبة، وقد ضعف بعضهم صحبة القعقاع بأن حديثه إنما يأتي من رواية عبدالله بن سعيد المقبري وهو ضعيف. قلت: الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق عبدالله بن سعيد عن أبيه عن القعقاع بن أبي حدرد، وهو صحابي كما تقدم في القسم الأول. وأما القعقاع بن عبدالله فهو ابن أخيه، لا صحبة له. وأما الحديث الثاني فإنما جاء من رواية القعقاع بن عبدالله بن أبي حدرد عن أبيه كما تقدم في ترجمة عبدالله بن أبي حدرد في حرف العين. وقد نبه على وهم أبي عمر فيه ابن فتحون، ونقل عن خليفه أنه قال: عبدالله والقعقاع ابنا أبي حدرد، ولهما صحبة ... وقال ابن فتحون: لو كان القعقاع بن عبدالله له صحبة لكان ينبغي لأبي عمر أن يقول: له ولأبيه وجده صحبة؛ لأن أبا حدرد صحابي. قلت: وهو كما قال، والعمدة في أن لا صحبة له إن رواية المقبري إنما هي عنه عن أبيه، فالصحبة لأبيه، والله اعلم".