وقال في ((التاريخ الكبير)) (7/ 389): "معن بن ثعلبة المازني: سمع الأعشى. روى عنه صدقة بن طيسلة".
قلت: وهنا أثبت سماع معن من الأعشى فالحديث عنده صحيحٌ إن شاء الله.
· تنبيه:
أشرت في بحوثي السابقة من سلسلة منهج السماع عند البخاري في التاريخ الكبير أشرت إلى أن البخاري يخرّج في الترجمة ما يراه غريباً أو مستنكراً من حديث الراوي، وهذا في الغالب لمن لهم رواية كثيرة، وأما أمثال صدقة ومعن والأعشى فهؤلاء لا يعرف لهم إلا هذا الحديث، والإتيان به في تراجمهم لا يعني أنه يستغربه أو يستنكره.
وقد يُعرف بعض الرواة بحديث واحد فقط ومع ذلك يستغربه أو يستنكره، وهذا يُدرَك بالنظر إلى إشارات الإمام البخاري وكيفية تعامله مع الترجمة والقرائن التي تحتف بهذه الترجمة وكلام غيره في ذلك الحديث، والله أعلم وأحكم.
4 - الاختلاف في اسم الأعشى والأوهام المتعلقة بترجمته:
قول البخاري:
- أما البخاري فلم يسمه، وإنما قال في ((التاريخ الكبير)) (2/ 61): "الأعشى المازني: له صحبة". ثم روى حديثه السابق.
قول ابن سعد:
- قال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (7/ 53): "أعشى بني مازن من بني تميم".
قول ابن أبي عاصم:
- وذكره ابن أبي عاصم مرتين وفرّق بينهما:
قال في ((الآحاد والمثاني)) (5/ 177): "الأعشى. حدثنا محمد بن يزيد بن سنان: حدثنا إسحاق بن إدريس: حدثنا عون القيسي: حدثنا صدقة بن طيسلة، عن عمّه عقبة بن ثعلبة، عن الأعشى رجل منهم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ... ".
ثم ذكره في (5/ 296) وقال: "والأعشى. وليس هو ذاك. هو المازني. قال محمد بن أبي بكر المقدمي: حدثنا أبو معشر: حدثنا صدقة بن طيسلة: حدثني معن بن ثعلبة المازني والحي معه: حدثني الأعشى المازني ... ".
قلت: هما واحد، والحديث واحد.
والطريق الأول الذي ذكره للحديث رواه أيضاً أبو نُعيم في ((معرفة الصحابة)) (1/ 355) من طريق خليفة بن خياط، عن عون بن كهمس بن الحسن، قال: حدثنا صدقة بن طَيسَلة، عن عمه عقبة بن ثعلبة، عن الأعشى، مثله.
· تحريف!
قلت: فهذه متابعة جيدة لأبي معشر لأن فيه كلاماً. وقد جاء في هذه الرواية عن صدقة عن عمه عقبة، وفي رواية أبي معشر: عن صدقة عن معن، وأرى أن هناك تحريفاً في رواية كهمس، تحرفت "معن" إلى "عقبة" ويحتمل أن يكون ذكر "عمه" صحيحاً فيكون معن هو عم صدقة، ويحتمل أنها زائدة لأن رسم "عمه" قريب من رسم "عقبة"، والله أعلم وأحكم.
قول خليفة بن خياط:
- قال خليفة بن خياط في ((الطبقات)) (ص43): "ومن بني مازن بن مالك بن عمرو بن تمميم بن مر: أعشى بني مازن. روى أنه قال النبي صلى الله عليه: يا مالك الناس وديان العرب".
قول أبي حاتم الرازي وابنه:
· واحد جعله ابن أبي حاتم ثلاثة! والتنبيه على أوهام في هذه التراجم!
- وذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (2/ 338) فقال: "الأعشى المازني الشاعر. بصري له صحبة. وهم مازن سليم. روى عنه معن بن ثعلبة وصدقة بن طيسلة. سمعت أبي يقول ذلك". قال أبو محمد: "روى عمرو بن علي بإسناد له عن شيوخ مجهولين أن الأعشى اسمه عبدالله بن الأعور أتى النبي صلى الله عليه وسلم".
قلت: قوله: "روى عنه ... وصدقة بن طيسلة" جاءت في بعض النسخ، وأشار المعلمي إلى أنه وقع في بعض النسخ: "صدقة أبو طيسلة".
قلت: وهذا الأخير هو الصواب: "صدقة أبو طيسلة"؛ لأن أبا حاتم اعتمد في ذلك على رواية ابن عرعرة المتقدمة عن طيسلة بن صدقة عن أبيه عن الأعشى، فيكون الراوي عن الأعشى فيها: صدقة أبو طيسلة.
وذكر ابن أبي حاتم له في الرواة عن الأعشى تبعاً لأبيه لا يصح! لأن رواية ابن عرعرة معلولة كما سبق بيانه.
وأما قول عبدالرحمن بن أبي حاتم: "روى عمرو بن علي -وهو الفلاس- بإسناد له عن شيوخ مجهولين"، فهذه الرواية أخرجها ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (2/ 422)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (7/ 53) وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.