وعن ابن أبي يحيى عن سلمة: "أنّ النبي صلّى في مسجد بني وائل بين العمودين المقدمين خلف الإمام بخمس أذرع أو نحوها". قال: "وضربنا ثَمَّ وتداً".
قلت: وهذا مرسل. وإبراهيم بن أبي يحيى متّهم، وقد تفرّد به! ولعل هذا الحديث هو عُمدة من نَسب عبيدالله هذا إلى بني خطمة.
وإن كان هو نفسه الذي يروي عنه ابن أبي يحيى، فهو يروي المراسيل، وحديثه عن أبيه المتقدّم مرسل، ولا يثبت لأبيه صحبة، وخاصة وهو من أهل المدينة الذين يعتنون بأمر الصحبة، فلو كانت لأبيه صحبة لما توانى في التصريح بذلك، فالصحبة شرفٌ عظيمٌ.
· ترجمة عبدالرّحمن بن أبي شُميلَة:
قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (5/ 296): "عبدالرّحمن بن أبي شميلة الأنصاري القبائي المدني عن سلمة بن عبيدالله بن محصن. روى عنه حماد بن زيد ومروان بن معاوية".
وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (5/ 244): "عبدالرحمن ابن أبي شميلة الأنصاري المديني: روى عن سعيد الصراف وسلمة بن عبيدالله بن محصن. روى عنه حماد ابن زيد ومروان بن معاوية. سمعت أبي يقول ذلك". قال عبدالرحمن: قرئ على العباس بن محمد الدوري قال: قال يحيى بن معين: "عبدالرحمن بن أبي شميلة الذي روى عنه حماد ابن زيد مشهور". قال عبدالرحمن: سمعت أبي يقول: "عبدالرحمن بن أبي شميلة هو مشهور برواية حماد بن زيد عنه".
وقال ابن حبان في ((الثقات)) (7/ 79): "عبدالرحمن بن أبي شميلة الأنصاري: يروي عن سلمة بن عبدالله بن محصن. روى عنه حماد بن زيد".
وقال ابن حجر في ((التقريب)) (ص342): "مقبولٌ من السابعة".
قلت: ذكروا من الرواة عنه: مروان الفزاري وحماد بن زيد.
قال ابن المديني: "لا أعلم أحداً روى عنه غيرهما".
وذكروا أنه مشهور برواية حماد بن زيد عنه.
قال ابن معين: "مشهور". وقال أبو حاتم الرازي: "مشهور برواية حماد بن زيد عنه".
قلت: فتشت فيما بين أيدينا من كتب، فلم أجد لحماد بن زيد عنه إلا رواية واحدة أخرجها الإمام أحمد في ((مسنده)) (5/ 285) في حبّ الأنصار. ورواها غير الإمام أحمد وفيها كلام.
وحماد بصريّ، ومروان الفزاري كوفي، فكيف يتفقا في الرواية عن عبدالرحمن هذا؟! والأشبه عندي أنهما تشابها في الاسم، وأنهما ليسا واحداً، بل هما اثنان، وهذا الذي روى عنه مروان الفزاري مجهولٌ لا يُعرف، ويُحتمل أنه دلّسه، وكان مروان معروفاً بذلك، والله أعلم.
قال العقيلي: "ولا أبعد أن يكون عبدالرحمن بن أبي شميلة هذا هو محمد بن سعيد المصلوب؛ لأن مروان معاوية يُغير اسمه على أنواع كثيرة، فلعل سعيدًا هذا هو أبو شميلة، وجعله عبدَالرحمن وهو كذلك؛ لأن الألفاظ في هذا الحديث تشبه ألفاظَه".
قال عبد الغني بن سعيد الأزدي: "وقال أبو جعفر العقيلي: إن عبدالرحمن بن أبي شميلة هو محمد بن سعيد المصلوب، وإن قولهم عبدالرحمن بن أبي شميلة أحد الأسماء التي غيّر بها اسم محمد بن سعيد. وما صنع شيئاً، وإنما ذكرت قوله ها هنا وحكيته عنه لئلا يظن ظان أني تركت قولاً قاله قائل من أهل الحديث، وأنا أقول: إن عبدالرحمن بن أبي شميلة هذا غير محمد بن سعيد، وإنه رجل من الأنصار من أهل قباء، حدث عنه مروان بن معاوية وحماد بن زيد أحد الحجح في رد قول العقيلي لو لم يعرف نسب عبدالرحمن رواية حماد بن زيد عنه؛ لأن حماد ابن زيد لا يدلس ولا ينقل اسماً إلى اسم". انتهى قول عبدالغني بن سعيد. (تهذيب الكمال: 25/ 267).
قلت: كلام العقيلي قويٌّ جداً، وهو -رحمه الله- ذكر أنهم قلبوا اسم المصلوب على نحو مائة اسم، وربما قالوا: ((عبدالله)) و ((عبدالرحمن)) و ((عبدالكريم))، وغير ذلك على معنى التعبيد، وينسبونه إلى جدّه ويكنون فيه. (الضعفاء: 4/ 71).
وأما ما ردّ به عبدالغني بن سعيد قول العقيلي بأن نسبه معروف وهو أنصاري من قباء، فلعله يؤيد ذلك ما قدمته من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى -وهو مدني- عنه، ولكن إبراهيم متّهم، فإن لم يصح ذلك فتكون النسبة التي جاءت في حديثه هذا من بعض الرواة لا من مروان الفزاري، والله أعلم.