قلت: أما الإسناد الأول فقد تفرد به علي بن عابس، ولم يثبت أن فضيل بن مرزوق رواه، ولا كذلك عطية، فكيف نقويه بالإسناد الآخر الذي قد تبين لنا أنه لا يصح أيضاً؛ لأنه من رواية سلام الطويل، ولم يروه إسماعيل، ولا خالد!
فأين الحفظ من هؤلاء الذين حاول الدكتور أن يقوي الحديث بهم؟!!
فعلى هذه الطريقة لن يكون لكلام أهل النقد في الرواة أي أثر، ولن يكون هناك إسناد منكر أبداً!!
رابعاً: دندنة الدكتور حول تشدد ابن حبان في الجرح عجيب جداً أيضاً! فهو إذا نقل من الثقات له قال بأنه متساهل، وإذا نقل عنه من الضعفاء قال بأنه متشدد في الجرح! فإذا كان ابن حبان متساهل في التوثيق ومتشدد في الجرح، فكلامه كله غير مقبول! وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم كالذهبي وابن حجر.
بل إن أهل العلم يتمسكون بكلامه في الضعفاء لأنه بناه على سبر أحاديث الرواة مع منازعته في تراجم قليلة جداً، لكن لا تصل إلى أن نقول: إنه متشدد في الجرح فلا يقبل!!
وكذلك دندنته عن تشدد أبي حاتم الرازي في مقابلة ما يقوله ابن حجر عن بعض الرواة: "ضعيف"! وقد بينت أنه لا خلاف بين أبي حاتم وابن حجر في هؤلاء؛ لأن قول ابن حجر في الراوي: "ضعيف" في التقريب يعني أنه هالك.
· متى ينجبر حديث الضعيف؟
خامساً: حاول الدكتور جبر هؤلاء الضعفاء - بحسب رأيه - بأن حديثهم لم يترك وإنما يكتب! ولو سلمنا بهذا فإن حديثهم يكتب للاعتبار، فنظرنا فلم نجد ما يرتقي بحديثهم إلى درجة القبول!
فعلي بن عابس قد تفرد بالحديث عن فضيل بن مرزوق، وعلي قال فيه ابن معين: "ليس بشيء" فلم لم يقبل الدكتور فيه قول ابن حبان: "فحش خطؤه فاستحق الترك"!
أليس قول ابن معين يوافق قول ابن حبان؟!
وقال البرذعي في "سؤالاته لأبي زرعة" (ص429): قلت: علي بن عابس، قال: "منكر الحديث يحدث بمناكير كثيرة عن قوم ثقات".
وعلى فرض أنه يكتب حديثه أي للاعتبار فلم يتابعه أحد عليه، والذي تابعه متابعة قاصرة - كما قال الدكتور - في الحديث الآخر: سلام بن سليمان تبين أنه ليس هو المتابع - مع ضعفه كذلك -.
وبمثل هذا يقال في المتابعات الأخرى التي ذكرها الدكتور؛ لأن هذا الإسناد الأخير من رواية سلام الطويل، وهو متروك، فلم يبق للدكتور إلا الإسناد الأول من طريق علي بن عابس، مع حديث سلمة بن عبيدالله، وكلاهما ضعيف.
فالحديث ليس بثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه الدكتور!!
· مصطلحات الترمذي:
سادساً: قول الدكتور إن الترمذي يستعمل مصطلح: "حسن غريب" في الحسن لغيره فيه نظر! والكتب والرسائل في محاولة الوصول لفهم مصطلحات الترمذي كثيرة، وما زال الخلاف بين أهل العلم فيها، فحمل ذلك على بعض الآراء دون غيرها فيه نظر!
· الذهبي لم يُحسّن الحديث:
سابعاً: نسبة القول للذهبي بأنه حسنه من أجل قوله: "وأما المتن فمعروف" فيه نظر كذلك.
فالذهبي قال ذلك في حديث أبي الدرداء، ويقصد أن هذا الإسناد ضعيف من حديث أبي الدرداء، والمتن معروف من غير طريقه، وهذا حقّ، فالمشهور من حديث عبيدالله بن محصن، وهذا لا يدل على أنه يحسنه.
والخلاصة أن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشواهده كلها باطلة منكرة.
وأصله من كلام العابد الزاهد شُميط بن عجلان كما بينته في المبحث المذكور آنفاً، ولله الحمد والمنة.
· بحث الحديث دراية:
ثم ذكر الدكتور في الفصل الثاني من بحثه: "بحث الحديث دراية"، فذكر معنى الحديث الإجمالي، ثم الشرح التفصيلي للحديث، ثم ذكر: "فقه الحديث وما يستنبط منه".
وقبل الخوض في استنباطات الدكتور من هذا الحديث لا بدّ من القول أن الاستنباط هو معرفة الأحكام الشرعية من الأحاديث، فهل مثل هذا الحديث الذي لا يعدو أن يكون تذكيراً للمسلم بأن يتقلل من هذه الدنيا هل يستنبط منه أحكاماً شرعية تتعلق بالحلال والحرام؟!!