وأما أبو الأسود النضر بن عبدالجبار المصري فكان صدوقاً عابداً، وفي روايته عن نافع بن يزيد مشكلة.
روى ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 480) من طريق هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثني من أثق به، قال: "حضرت يحيى بن معين - وقد أتى إلى أبي الأسود، فسأله أن يخرج إليه كتاب نافع بن يزيد، فقال له يحيى بن معين: أي شيء قرأت منه، وأي شيء حدثك به؟ فقال النضر: منه ما حدثني، ومنه ما قرأت، ومنه ما أخذت إجازة، ولست أميز بين ذين، فقال يحيى: آخذه منك على الصدق، فانتسخ الكتاب منه".
ولا يُعرف أن عمارة بن غزية رواه عن محمد بن إبراهيم، فالله أعلم.
وقد رواه قيس بن سعد ومحمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يذكرا فيه قصة الطور.
والأصل في هذا أن نقدّم رواية أهل المدينة عن محمد بن إبراهيم المدني، ورواية المصريين عنه كنافع هذه تحتاج إلى دعامة سيما وأن حديثه الذي رواه عنه أبو الأسود لم يميز بين ما سمعه وبين ما قرأه وبين ما أخذه إجازة.
فالذي أميل إليه أن هذا الحديث رواه نافع بن يزيد عن ابن الهاد وحده، وهناك وهم في ذكر: "عمارة بن غزية"، فكيف يتفرد مصري بهذا الحديث عن عمارة وهو مدني دون سائر المدنيين بل والمصريين، وتفرده هذا لا يقبل أبداً، ولا بد أن يكون هناك أحدهم قد أخطأ فيه، والأقرب أنه من أبي الأسود، والله أعلم.
فيبقى الوهم في الإسناد من يزيد بن الهاد، وأستبعد أن يكون محمد بن إبراهيم وهم فيه، والله أعلم.
· إسناد آخر ضعيف فيه: «بصرة بن أبي بصرة»!
وروى عبدالرزاق في «المصنف» (5/ 133) عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ بصْرَةَ بنِ أَبِي بصْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
قلت: وهذا إسناد مُعضل!!
التحقيق في اسمه واختلاف أهل العلم في ذلك:
· قول الإمام البخاري ومن تبعه:
قال البخاري في «التاريخ الأوسط» (1/ 121): "واسم أبي بصرة الغفاري: حُمَيل بن بصرة. قال علي: سألت رجلاً من غِفار؟ فقال: اسمه حُميل، ومن قال: جَميل؛ فهو خطأ.
حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: أتيت الطور فلقيت حميل بن بصرة الغفاري صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تضرب أكباد المطايا إلا إلى المسجد الحرام ومسجده ومسجد إيليا».
وتابعه روح بن قاسم عن زيد بن أسلم.
وقال الدراوردي عن زيد: "جميل".
وقال ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن "بصرة بن أبي بصرة الغفاري".
حدثنا موسى، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا عبدالملك بن عمير عن عمر بن عبدالرحمن بن الحارث قال: لقى أبو بصرة الغفاري أبا هريرة، وهو جاء من الطور فقال: من أين أقبلت، نحوه.
سكن مصراً".
قلت: أراد الإمام البخاري أن يبين الاختلاف في اسمه، ثم بيّن أن الصواب فيه: "حُميل"، بالحاء مصغراً، ومن قال "جميل" بالجيم فقد وهم.
ثم عَرض لهذا الاختلاف من الرواة، وأنه هو نفسه: "بصرة بن أبي بصرة"، وقد وهم بعضهم في اسمه، ومن هنا جاء قول من قال بأنه بصرة، وهو ابن أبي بصرة، وقد وضّح البخاري هذا في «التاريخ الكبير» (3/ 123) فقال: "حُميل بن بصرة أبو بصرة الغفاري: سمّاه روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن المقبري عن أبي هريرة. وقال ابن الهاد: بصرة بن أبي بصرة. وقال الدراوردي: جَميل، وهو وهم. قال علي: سألت رجلاً من غفار، فقال: هو حُمَيل".
قال مسلم في «الكنى والأسماء» (1/ 158): "أبو بصرة حميل بن بصرة الغفاري، له صحبة".