ثم قال: "وأما قوله: عن أبي هريرة في هذا الحديث: فلقيت بصرة بن أبي الغفاري إلى آخر قصته معه فهكذا في الموطأ: بصرة بن أبي بصرة، لم يختلف عن مالك في ذلك، ولا عن يزيد بن الهادي فيما علمت، وأما غير مالك وغير شيخه يزيد بن الهادي فإنهم يقولون في هذا الحديث: فلقيت أبا بصرة الغفاري، وأبو بصرة اسمه: حُميل بن بصرة على اختلاف عنه قد ذكرته عند ذكري له في كتاب الصحابة، وروى القعبني عن الدراوردي عن زيد بن أسلم عن المقبري عن أبي هريرة أنه خرج إلى الطور يصلي فيه ثم أقبل فلقي جميل بن بصرة الغفاري، فذكر الحديث على ما ذكرناه في التمهيد من طرق".
وقال في «التمهيد» (23/ 37 - 38): "لا أعلم أحداً ساق هذا الحديث أحسن سياقة من مالك عن يزيد بن الهادي، ولا أتم معنى منه فيه إلا أنه قال فيه: بصرة بن أبي بصرة ولم يتابعه أحد عليه، وإنما الحديث معروف لأبي هريرة: فلقيت أبا بصرة الغفاري، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي أسامة عن أبي هريرة، كذلك رواه سعيد بن المسيب وسعيد المقبري عن أبي هريرة كلهم يقول فيه: فلقيت أبا بصرة الغفاري، ولم يقل واحد منهم: فلقيت بصرة بن أبي بصرة كما في حديث مالك عن يزيد بن الهادي، وأظن الوهم فيه جاء من قبل مالك أو من قبل يزيد بن الهادي، والله أعلم".
ثم قال بعد صفحات (23/ 47): "فأما قول أبي هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري إلى آخر قصته معه، فهكذا في الحديث من رواية مالك: بصرة بن أبي بصرة، لم يختلف عنه في ذلك، ولا عن يزيد بن الهادي، وإنما جاء ذلك من يزيد لا من مالك فيما أظن، والله أعلم. وغير يزيد يقول في هذا الحديث: فلقيت أبا بصرة الغفاري وأبو بصرة اسمه حميل بن بصرة، وقد سماه زيد بن أسلم في حديثه هذا".
قلت: ذهب ابن عبدالبر «الاستذكار» إلى أن الوهم من يزيد بن الهاد، وفي «التمهيد» الوهم من يزيد بن الهاد أو من مالك! ثم بعد صفحات رجع ورجّح أن الوهم من يزيد لا من مالك.
· اعتراض ابن الأثير على ابن عبدالبر!
واعترض عليه ابن الأثير فقال في «أُسد الغابة»: "قول أَبِي عمر: (لا يوجد هكذا إلا في الموطأ) وهم منه، فإنه قد رواه الواقدي، عن عَبْداللَّهِ بن جَعْفَر، عن ابن الهاد مثل رواية مالك، عن بصرة بن أَبِي بصرة، فبان بهذا أن الوهم من ابن الهاد، أو من مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، فإن أبا سلمة قد روى عنه غير مُحَمَّد، فقال: عن أَبِي بصرة، والله أعلم".
قلت: نعم، الوهم ليس من الإمام مالك، فقد تابعه بكر بن مضر وعبدالعزيز بن أبي حازم والليث بن سعد، كلهم رووه عن يزيد بن الهاد، وكلهم قال عنه: «بصرة بن أبي بصرة»، فتعين أن الوهم من يزيد ابن الهاد، وهذا ما مال إليه أخيراً ابن عبدالبر - رحمه الله تعالى-.
· هل توبع ابن الهاد على قوله «بصرة بن أبي بصرة»!
لكن هناك متابعة ليزيد، فهل صحت هذه الرواية؟!
فقد رواه يعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/ 169) قال: حدثني أبو الأَسْوَدِ - هو: النَّضْرُ بن عبدالْجَبَّارِ-، قال: أخبرنا نَافِعُ بن يَزِيدَ، عن ابن الْهَادِ وَعُمَارَة بن غَزِيَّةَ، عن مُحَمَّد بن إبْرَاهِيمَ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن بَصْرَةَ بن أبي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ، نَحْوَهُ.
ورواه الطحاوي في «مشكل الآثار» (2/ 56) عن الرَّبِيعِ بن سليمان الْجِيزِيُّ، عن أبي الأَسْوَدِ، قال: حدثنا ابنُ الْهَادِ وَعُمَارَةُ بن غَزِيَّةَ: أَنَّ مُحَمَّدَ بن إبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمَا، عن أبي سلمة، به.
قلت: لم يرو هذا الحديث عن ابن الهاد وعمارة بن غزية إلا نافع بن يزيد، تفرد به أبو الأسود!
ونافع بن يزيد الكلاعي أبو يزيد المصري، لا بأس به، قد خرج له البخاري تعليقاً في موضعين، وخرج له مسلم حديثاً واحداً قد توبع عليه.