قال الترمذي: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِي البَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي بصرَةَ الْغِفَارِيِّ، وَأَبِي مُوسَى، وَجَهْجَاهٍ الغِفَارِيِّ، وَمَيْمُونَةَ، وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو".
قلت: قد ذكرنا الاختلاف في أن اسم ذاك الضيف وأنه أبو بصرة الغفاري أو جهجاه الغفاري، فلا يصح أن نجعلهما حديثين منفصلين، وهو حديث لم يصح. وكذلك حديث عبدالله بن عمرو، والترمذي يرحمه الله يتساهل بذكر مثل هذه الشواهد من أجل تقوية أصل الباب.
· الحديث السابع:
روى الإمام أحمد في «المسند» (6/ 397) برقم (27273) قال: حدثنا يَعْقُوبُ - هو: ابن إبراهيم بن سعد-، قال: حدثنا أَبِي، عَنِ ابن إِسْحَاقَ، قال: حدثني يَزِيدُ بن أبي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدِ بن عبداللَّهِ اليزني، عن أبي بَصْرَةَ الغفاري، قال: «لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ وهو يَسِيرُ إلى مَسْجِدِ الطُّورِ ليصلي فيه، قال: فقلت له، لو أَدْرَكْتُكَ قبل أن تَرْتَحِلَ ما ارْتَحَلْتَ! قال: فقال، وَلِمَ؟ قال: فقلت، إني سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، والْمَسْجِدِ الأَقْصَى، ومسجدي».
ورواه الطبراني في «المعجم الكبير» (2/ 277) برقم (2161) عن عبداللَّهِ بن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ، عن أبيه، به.
· هذا الحديث لا يُعرف عند أهل مصر!
قلت: تفرد به ابن إسحاق بهذا الإسناد! ولا يُعرف هذا الحديث عند المصريين، وابن إسحاق حديثه عن المصريين فيه أوهام، وكأنه دخل له إسناد في إسناد؛ لأن الحديث معروف ومشهور عند أهل المدينة.
ومما يدل على أن ابن إسحاق تفرد به عن المصريين أن الحافظ الطبراني الذي يحرص على جمع طرق الأحاديث لم يرو هذا الحديث في كتابه الكبير إلا من طريق مسند أحمد. وسيأتي إن شاء الله أن أهل مصر رووه عن أهل المدينة، وهذا يؤكد وهم ابن إسحاق في إسناده.
وعليه فإن هذا الإسناد معلول، ولا يلتفت إلى التصريح بالسماع الوارد فيه؛ وابن إسحاق فيه ضعف.
وهذا الحديث له تتمة كما سياتي إن شاء الله، وقد أخرجه بعض أهل العلم عن ابن إسحاق مثل ما رواه أهل المدينة، فلعل هذا أصله عند ابن إسحاق، فمرة رواه على الصواب، ووهم فيه مرة أخرى.
روى الحاكم في «المستدرك» (1/ 414) برقم (1031) من طريق يعلى بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة قال: جئت الطور فلقيت هناك كعب الأحبار فحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث عن التوراة فما اختلفا حتى مررت بيوم الجمعة، قال: قلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم جمعة ساعة لا يوافقها مؤمن وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، قال كعب: تلك في كل سنة، فقلت: ما كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم! فرجع، فتلا، ثم قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: في كل جمعة. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبدالله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب فذكر الحديث بنحو من حديث مالك.
قلت: وسيأتي حديث مالك إن شاء الله، وهذا يدلّ على أن الحديث عند ابن إسحاق كما رواه أهل المدينة، ولكنه وهم فيه بروايته عن المصريين، وتفرد به، ولا يوجد عندهم، والله أعلم.
· رواية أهل المدينة لهذا الحديث:
والحديث قد رواه أهل المدينة عن أبي هريرة:
· رواية زيد بن أسلم عن المقبري عن أبي هريرة:
رواه البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 123) عن سعيد بن أبي مريم.
والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (2/ 56) عن يحيى بن عُثْمَانَ بن صَالِحٍ، عن سَعِيد بن أبي مَرْيَمَ، قال: أَنْبَأَنا محمد بن جَعْفَرِ بن أبي كَثِيرٍ الأَنْصَارِيُّ، قال: أَنْبَأَنا زَيْدُ بن أَسْلَمَ، عن سَعِيدِ بن أبي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قال: «أَتَيْت الطُّورَ فَصَلَّيْت فيه، فَلَقِيت حَمِيلَ بن بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فقال: من أَيْنَ جِئْت؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: لو لَقِيتُك قبل أَنْ تَأْتِيَهُ ما جِئْته، سَمِعْت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: لاَ تُضْرَبُ الْمَطَايَا إِلاَّ إلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هذا، وَمَسْجِدِ إيلِيَاءَ».