قلت: اتفقت كلّ الروايات على عدم تسميته إلا رواية ابن ماجة ورواية أبي نُعيم، وهو تصرف منهما، ولا يصح ذلك.
وسمّاه ابن عبدالبر: «زيد بن جارية»، فقال في «الاستيعاب» (2/ 541): "زيد ابن جارية هذا ... وهو أخو مجمع بن جارية، روى عنه أبو الطفيل، حديثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم النجاشي قد مات، فصلوا عليه، قال: فصففنا صفين".
وقال ابن ماكولا في «الإكمال» (2/ 5): "وابن جارية الأنصاري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، روى عنه أبو الطفيل عامر بن واثلة؛ وقال الدارقطني: سماه بعض الرواة زيداً، لعله الذي روى عنه ابنه، وقد تقدم قبله".
والحديث أورده ابن حجر في «الفتح» (3/ 189) وسكت عليه.
وصححه الشيخ الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»، وقال في «إرواء الغليل» (3/ 176): "وأما حديث مجمع بن جارية، فيرويه حمران بن أعين عن أبي الطفيل عنه مثل حديث أبي الزبير. أخرجه ابن ماجة وابن أبي شيبة وأحمد بسندٍ صحيحٍ".
وقد ترجم الأئمة لابن جارية هذا في من لم يعرف اسمه وعُرف بأبيه:
قال البخاري في «التاريخ الكبير» فيمن لا يعرف اسمه ويعرف بأبيه ممن يبدأ اسمه بحرف الجيم (8/ 432): "ابن جارية الأنصاري. قال لي عبدالله بن محمد العبسي: حدثنا معاوية بن هشام، قال: حدثنا سفيان، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن ابن جارية الأنصاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم النجاشي مات فصلوا عليه، فصفنا خلفه صفين».
وقال لنا أبو الوليد: حدثني المثنى بن سعيد الضبعي، عن قتادة، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم، قال: صلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فصلوا عليه» ".
· أوهام لأبي حاتم وابنه!
وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» «باب الجيم» (9/ 318) فقال: "ابن جارية، ويقال ابن خارجة الأنصاري، له صحبة، روى عنه أبو الطفيل، سمعت أبي يقول ذلك".
ثم قال في «باب الحاء»: "ابن حارثة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه»، رواه مصعب بن المقدام، عن سفيان الثوري، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن فلان بن حارثة، سمعت أبي يقول ذلك".
قلت: وَهِم أبو حاتم وابنه في هاتين الترجمتين:
أولاً: الترجمة الأولى الصواب فيها: ابن جارية، وابن خارجة تصحيف.
ثانياً: ابن جارية هذا لا صحبة له؛ لأن إثبات صحبته إنما جاء من خلال حديث معلول، ولم يفهم أبو حاتم معنى ترجمة البخاري، وهو أنه أراد بيان علّة الحديث، وهو حمران بن أعين، فإنه تفرد بهذا الحديث عن أبي الطفيل، والمحفوظ عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد كما رواه قتادة، فعلل البخاري حديث حمران برواية قتادة.
ولهذا قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 80): "حمران بن أعين الكوفي عن أبي الطفيل وأبي حرب، روى عنه الثوري وإسرائيل وحمزة الزيات".
فلم يثبت البخاري حديثه عن أبي الطفيل فذكره بالعنعنة دون ذكر السماع لئلا يأت متوهم فيصحح هذه الأحاديث كما فعل الألباني!! لأن حمران هذا ضعيفٌ باتفاق ولا يحتج به، وأحاديثه غريبة لا يُتابع عليها.
ثالثاً: الترجمة الثانية خطأ، وقد تصحف على أبي حاتم وابنه، والصواب: ابن جارية.
وقال الحسيني في «الإكمال لرجال أحمد» (ص343): "فلان بن جارية الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه، رواه عنه أبو الطفيل".
فتعقّبه ابن حجر في «التعجيل» (ص336) فقال: "قلت: حق هذا أن يذكر في المبهمات فإنه ليس باسم علم".
وعلى كلّ حال فهذا الإسناد معلول، ولم يصب من سماه مجمعاً أو زيداً، ولا يصح كلام الألباني وغيره.
5 - روى الطبراني في «المعجم الكبير» (19/ 445) وفي «الأوسط» (8/ 129) عن موسى بن هارون، قال: حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبدالعزيز بن عبدالله، عن يعقوب بن مجمع بن جارية، عن أبيه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة رجل من بني عمرو بن عوف حتى انتهى إلى المقبرة، فقال: السلام على أهل القبور ثلاث مرات، من كان منكم من المؤمنين والمسلمين أنتم لنا فرط، ونحن لكم تبع عافانا الله وإياكم».