وإن صح هذا عنه فإنه يكون قصد أؤلئك الذين قاتلهم مع عليّ، ففي رواية أحمد عن وكيع ذكر بعد أن روى الحديث المشهور في ظهور الخوارج الذين قاتلهم عليّ: "قِتَالُهُمْ أَحَلُّ عِنْدِي مِنْ قِتَالِ عِدَّتِهِمْ مِنَ التُّرْكِ".
فقوله: "قتالهم .. " أي هؤلاء الذين يُخبر عنهم.
وما جاء في رواية ابن أبي شيبة عن وكيع مختصر من الحديث الطويل، وعبّر عنهم بقوله: "لقتال الخوارج .. " وهذا يُحمل على أؤلئك الذي قاتلهم عليّ لا الخوارج الذين ظهروا بعد ذلك ظهوراً سياسياً!!
ويؤيد ذلك ما رواه إبراهيم الحربي في "غريب الحديث" (1/ 66) عن عَمْرُو بن مَرْزُوقٍ، قال: أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بنُ شُمَيْخٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ الخَوَارِجَ قالَ: "يَنْظُرُ الرَّامِي فِي الْفُوُقِ، فَتَمَارَى: هَلْ رَأَى شَيْئًا أَمْ لَا؟ ".
وهذا في رواية البخاري: "وَيَنْظُرُ فِي القِدْحِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلاَ يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمَارَى فِي الفُوقِ".
و (يتمارى في الفوق) أي: يشك الرامي في مدخل الوتر من السهم هل فيه شيء من أثر الصيد! والمعنى أنهم لا تحصل لهم فائدة من قراءتهم القرآن مثل السهم الذي ينفذ من الصيد دون أن يتعلق به أي أثر منه!
الثالث: في رواية ابن أبي عاصم: "فحدثني أبو سعيد في عشرة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أرتضي"! فكيف يقول: "ممن ارتضي" والأصل في الصحابة الرضا والعدالة!!!
الرابع: لم يكن في زمن أبي سعيد تُرك لقتالهم!! وإن صحت الرواية فإنه إنما أراد أن يُبيّن أن قتالهم للخوارج زمن عليّ كان أحب إليهم من قتال الترك الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستقاتلهم.
ففي الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ ... ».
وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (7/ 563) (37938) عن يَزِيد بن هَارُونَ قالَ: أَخبرنَا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ: "لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قتال الدَّيْلَمِ".
وهذا إسناد ضعيف لإبهام الراوي عن أبي سعيد الخدري.
وعليه فحديث عاصم بن شميخ فيه نكارة! ولم يضبط الحديث!! وهو ليس من أهل الرواية، وهو مجهول لا يُعرف إلا برواية عكرمة بن عمار عنه، فإن لم يدلّس عكرمه هذه الرواية فإنا نقبل من عاصم ما رآه من أبي سعيد فقط لا ما سمعه! فالرؤية أضبط من السماع وخاصة فيمن لا يُعرف بالحديث لعدم عنايته به.
ولا يوجد لعاصم سماعٌ من أبي سعيد إلا في هذا الحديث، ولم يضبطه إن صحت عنه.
ودخوله على أبي سعيد لا يُستنكر ولهذا لما ترجم له البخاري قال: "رأى أبا سعيد"، ولم يقل: "سمع منه".
ولا يوجد له عن أبي سعيد إلا هذه الرواية وفيها بعض ما رآه من أبي سعيد، والرواة قطعوا الرواية فذكروا بعضها منفصلة.
روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1/ 231) (2646) عن هَاشِم بن القَاسِمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بنُ شُمَيْخٍ الْغَيْلَانيُّ، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ، قالَ: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ، فَرَأَيْتُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ يُجَافِي بِمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ إِبِطَيْهِ».
وروى أيضاً (1/ 297) (3405) عن وَكِيع، عَنْ عِكْرِمَةَ بن عمار، عَنْ عَاصِمِ بنِ شُمَيْخٍ قالَ: «رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يُصَلِّي مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا».