قالَ: "فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ بَعْدَمَا كَبِرَ، وَيَديْهِ تَرْتَعِشُ يَقُولُ: قِتَالُهُمْ أَحَلُّ عِنْدِي مِنْ قِتَالِ عِدَّتِهِمْ مِنَ التُّرْكِ".
وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (7/ 553) عن وَكِيع، عَنْ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّارٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ، قالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ يَقُولُ: - وَيَدَاهُ هَكَذَا يَعْنِي تَرْتَعِشَانِ مِنَ الكِبَرِ-: "لقِتَالُ الخَوَارِجِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِتَالِ عُدَّتِهِمْ مِنْ [أَهْلِ] الشِّرْكِ".
قلت: كذا وقع في مطبوع كتاب ابن أبي شيبة: "الشرك"! وهو تحريف! والصواب كما في مسند أحمد: " التُّرْك". ولفظ [أهل] زادها المحقق!! ولا يجوز له هذا!
وكذا هو في "إتحاف المهرة" (5/ 260)، و"أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي" (6/ 260) "التُّرك".
قلت: تفرد عكرمة بن عمّار اليمامي (ت 159 هـ) بالرواية عن عاصم بن شُميخ هذا! وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه روى عنه "جوّاس"! ففيه نظر! ولا يُعرف من هو جواس! ولم نجد من يروي عنه إلا عكرمة بن عمار.
وعكرمة بن عمار، قَال فيه أبو حاتم: "كان صدوقاً، وربما وهم في حديثه، وربما دلّس". وقد ورد في بعض الروايات أنه سمع منه، فنحمل ذلك على السماع.
وحديث الخوارج مشهور من حديث أبي سعيد الخدري وقد توبع عاصم عليه إلا ما جاء في آخره من قوله: "لَقِتَالُ الخَوَارِجِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِتَالِ عُدَّتِهِمْ مِن الترك" كما في رواية ابن أبي شيبة!
ورواية عاصم فيها نكارة من عدة وجوه:
الأول: الثابت أن أبا سعيد الخدري قاتل الخوارج مع عليّ، ورواية عاصم فيها أن بضع وعشرين صحابياً أخبروا أبا سعيد أن علياً ولي قتلهم!! فلم يُخبره وهو قد قاتلهم؟!!
رواه البخاري في "صحيحه" (4/ 200) من حديث أَبي سَلَمَةَ بن عَبْدِالرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ». فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ، - وَهُوَ قِدْحُهُ -، فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ».
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: "فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ".
الثاني: قاتل أبو سعيد الخوارج مع عليّ ووقع ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم.