وقال أيضاً (ص 430): "وقوله (هو عندي من أهل الصدق) يعني: أنه لم يكن يتعمد الكذب".
ولما وثّق السيوطي بعض الهلكى (ص 459) فقال: "ووثقه ابن عدي فقال: أرجو أنه لا بأس به"! تعقبه المعلمي فقال: "ليس هذا بتوثيق. وابن عدي يذكر منكرات الراوي ثم يقول (أرجو أنه لا بأس به)، يعني بالبأس: تعمد الكذب".
بل نصّ الألباني على أن هذا المصطلح عند ابن عدي ليس نصاً في التوثيق!
قال في «سلسلته الصحيحة» (4/ 577) (1938) لما نقل قول ابن عدي في «بشار بن الحكم الضبيّ» "منكر الحديث عن ثابت وغيره، ولا يتابع، وأحاديثه أفراد. وأرجو أنه لا بأس به. وهو خير من بشار بن قيراط"، قال: "ابن قيراط كذبه أبو زرعة وضعفه غيره، فكأن ابن عدي يعني بقوله أنه (لا بأس به): من جهة صدقه. أي أنه لا يتعمد الكذب. وإلا لو كان يعني من جهة حفظه أيضاً، لم يلتق مع أول كلامه (منكر الحديث ... ). وقال ابن حبان: (ينفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه). قلت: فمثله إلى الضعف، بل إلى الضعف الشديد أقرب منه إلى الصدق والحفظ. والله أعلم".
وقال في «سلسلته الضعيفة» (3/ 112): "إن قول ابن عدي (أرجو أنه لا بأس به) ليس نصاً في التوثيق. ولئن سلم، فهو في أدنى درجة في مراتب التعديل أو أول مرتبة من مراتب التجريح، مثل قوله (ما أعلم به بأساً)، كما في التدريب".
وقد ذكر ابن عدي في ترجمته من «الكامل» (9/ 58) ثلاثة أحاديث رواه يحيى بن أيوب عن عبيدالله بن زحر، ثم قال: "وَرَوَى يَحْيى بْنُ أَيُّوبَ، عَن عُبَيداللَّهِ بْنِ زَحْرَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نُسْخَةَ أَحَادِيثَ صَالِحَةً، رَوَاهَا عنه ابن أَبِي مَرْيَمَ، وَابْنُ عُفَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا".
قلت: وعُبيدالله بن زَحْر منكر الحديث! ولا يخفى هذا على ابن عدي! بل نقل في ترجمته (5/ 524) بأنه ليس بشيء!! وساق له عدة أحاديث منكرة رواها عنه يحيى بن أيوب!
ثم قال: "ولعبيدالله بن زحر غير ما ذكرت من الحديث، ويقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه، وأروى الناس عنه يَحْيى بن أيوب من رواية بن أبي مريم عنه".
وعليه فقوله عن هذه النسخة بأنها "صالحة"، أي تكتب للاعتبار؛ لأن أكثر أهل العلم على تضعيفه تضعيفا شديدا، ومشّاه بعضهم!
·…الدارقطني:
قال الدارقطني في «العلل» (14/ 95): "يحيى بن أيوب المصري: ثقة".
قلت: سيأتي فيما بعد تضعيف الدارقطني له في موضع آخر!
·…الذهبي:
قال الذهبي في «ديوان الضعفاء» (ص: 431): "يحيى بن أيوب الغافقي: ثقة. قال النسائي: ليس بذاك القوي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. -ع-".
قلت: وثقه الذهبي هنا مع نقله تضعيف اثنين من الأئمة النقاد له! وكأنه لرواية الجماعة له وثقه مع أن عادته أنه كثيراً ما يعتمد عبارة أبي حاتم في الجرح! وسيأتي مخالفته لرأيه هذا!
·…من ضعّف يحيى بن أيوب الغافقي المصري:
وأكثر أهل النقد على تضعيفه من قِبل حفظه، ومن هؤلاء:
·…الإمام مالك:
روى العقيلي في «الضعفاء» (4/ 391) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: حَدَّثْتُ مَالِكًا بِحَدِيثٍ حَدَّثَنَا بِهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْهُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ فَقَالَ: كَذَبَ، وَحَدَّثْتُهُ بِآخَرَ، عَنْهُ فَقَالَ: كَذَبَ.
قلت: فهم بعض طلبة العلم أن الإمام مالك كذّبه في حديثه! بل وجدت ابن التركماني يغمزه بذلك في «الجوهر النقي» (5/ 194) فقال: "وكذبه مالك في حديثين"!
بل قال ابن حزم في «المحلى» (6/ 124): "وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِالْكَذِبِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ الْكَذِبَ".
قلت: تكذيب الإمام مالك له ليس اتهاماً له بالكذب المتعمد واصطناع الحديث! وإنما هو كان سمع من مالك، فحدّث عنه بأحاديث وهم فيها لما سمعها منه تلاميذه، فلما رحل ابن أبي مريم إلى مالك سأله عن حديثين رواهما عنه يحيى بن أيوب، فقال: "هذا كذب"، بمعنى هذا خطأ! وليس قصده اتهامه في أنه يكذب، وهذه لغة أهل المدينة، يطلقون على الخطأ: الكذب أحياناً، والله أعلم.