· مسألة مهمة للمشتغل في التحقيق:
أما محقق ((سير النبلاء)) الشيخ شعيب فإنه لم يعقب على رأي الذهبي في أنهما واحد، ولكنه في تحقيقه لمسند أحمد ذهب إلى رأي ابن حجر بأنهما اثنان، وكان الأولى به أن ينبه على ذلك ويستدرك على نفسه! وهنا مسألة مهمة للمشتغل بهذا العلم: وهي أن لا يفصل بين تحقيقاته ومصنفاته، بل يراجعها باستمرار وينبه على أمور قد يخالف فيها اجتهاده السابق وغير ذلك من الأمور المهمة.
· كلام محقق آخر غير محقق!
هذا وقد نقل المحقق صالح اللحام أثناء كلامه على حديث زياد في ((غرائب شعبة)) كلاماً للشيخ ناصر في ((الضعيفة)) في الكلام على روايات أبي داود للحديث وهل رواية ابن عبد القدوس متابعة لرواية ليث أم لا! وأنه يرى أنها ليست متابعة له!! ثم نقل تعقب ابن حجر في ((النكت الظراف)) على المزي لإخلاله بطريق عبدالله بن عبدالقدوس التي عند أبي داود! ثم تعقب اللحام محقق كتاب ((تحفة الأشراف)) وأنه يميل إلى ما ذكره الحافظ ابن حجر لا إلى ما ذكره شيخه الألباني!!
قلت: من يقرأ كلام اللحام يدرك أنه ينقل بلا وعي، ومن غير تحقيق! فكلام الشيخ الألباني واضح في أنه يرى أن رواية ابن عبدالقدوس ليست متابعة لرواية الليث، وإنما أراد أبو داود من إيرادها أن يبيّن أن ابن عبدالقدوس قد سمى هذا الرجل ((سيمين كوش))، ولهذا قال الشيخ في ((الضعيفة)) (3229): "ولا يعني ذلك أن عبدالله بن عبدالقدوس رواها عن زياد".
وفي الحقيقة لا يوجد تعارض بين كلام ابن حجر وكلام الشيخ ناصر حتى يرجّح اللحام كلام ابن حجر على كلام شيخه! وهذا هو الذي جعل ابن حجر يتعقّب المزي بإخلاله برواية ابن عبدالقدوس، وهذا الإخلال -الذي لم يوضحه اللحام- يتلخص في أن المزي عندما ذكر هذا الحديث في ((التحفة)) ذكر فقط رواية أبي داود عن محمد بن عبيد عن حماد بن زيد، ولم يذكر رواية الثوري ورواية ابن عبدالقدوس! فتعقبه ابن حجر في ((النكت الظراف)) فقال: "فأخلَّ المزي بطريق الثوري وهي معلقة. وبطريق عبدالله بن عبدالقدوس وهي موصولة". وهذا الذي لم يذكره المزي واعترض عليه فيه ابن حجر ذكره محقق التحفة ووضعه بين قوسين، فتعقبه في ذلك اللحام واعترض عليه بأن وضعه بين قوسين لا يعفيه من إثباته في الأصل! وقد يكون في بعض النسخ، والله أعلم.
ولكن هذا كلّه لا علاقة له بالترجيح بين كلام ابن حجر وكلام الشيخ الألباني، فهما متوافقان في الرأي، فابن حجر يرى أن عبدالله بن عبدالقدوس رواه عن ليث به، وقال في روايته: زياد سيمينكوش. لا أن ابن عبدالقدوس رواه مباشرة عن زياد، وهذا هو عينه كلام الشيخ الألباني. ولم يفهم اللحام كلام شيخه فظن أن شيخه ينفي أن تكون هذه الرواية متابعة أصلاً! وهذا يعني أنها ليست موصولة! ولهذا رجّح كلام ابن حجر في اعتبارها موصولة! ولكن الشيخ الألباني لا يقصد بأنها ليست موصولة، وإنما يقصد بأنها ليست متابعة لليث فقط! فهو يثبت أن ابن عبدالقدوس رواها عن الليث، والله أعلم.
· الخلاصة في زياد:
والخلاصة أن زياد الأعجم غير زياد سيمينكوش راوي هذا الحديث. ولا يعرف لزياد سيمينكوش غير هذا الحديث كما قال الإمام البخاريّ، وهو مجهول لا نعرف حاله، ولم يرو عنه سوى طاوس تفرد بذكر ذلك ليث بن أبي سُليم، ولا يقبل ذلك منه؛ لأنه ضعيف جداً!
· تعقّب مغلطاي للبخاري:
وقد تعقّب مغلطاي البخاري في أن له حديثاً آخر: رواه الشيرازي في ((الألقاب)) عن عبدالله بن عمرو أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ((إن سليمان بن داود أوثق شياطين في البحر، فإذا كانت سنة خمس وثلاثين خرجوا في صور الناس)). قال مغلطاي: "فيه ردٌّ لقول من قال: لا أعرف له غير حديث الفتنة". (إكمال تهذيب الكمال: 5/ 112).
فتعقبه ابن حجر في ((النكت الظراف)) بأن هذا الحديث أخرجه مسلم في ((مقدمة صحيحه)) من رواية طاوس، عن عبدالله بن عمرو، بغير واسطة زياد.