تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

50.20-26

﴿ ونفخ في الصور ﴾ للأحياء، أي: أحيى كل منهم في صورة تناسبه في الآخرة ﴿ ذلك ﴾ النفخ وقت تحقق الوعيد بشهود ما قدم من الأعمال وما أخر.

﴿ وجاءت كل نفس معها سائق ﴾ من علمه ﴿ وشهيد ﴾ من عمله لأن كل أحد ينجذب إلى محل نظره وما اختاره بعلمه، والميل الذي يسوقه إلى ذلك الشيء إنما نشأ من شعوره بذلك الشيء وحكمه بملائمته له سواء كان أمرا سفليا جسمانيا بعثه عليه هواه وأغراه عليه وهمه وقواه، أو أمرا علويا روحانيا بعثه عليه عقله ومحبته الروحانية وحرضه عليه قلبه وفطرته الأصلية. فالعلم الغالب عليه سائقه إلى معلومه، وشاهده بالميل الغالب عليه والحب الراسخ فيه والعمل المكتوب في صحيفته يشهد عليه بظهوره على صور أعضائه وجوارحه وينطق عليه كتابه بالحق وجوارحه بهيئات أعضائه المتشكلة بأعماله.

﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ لاحتجابك بالحس والمحسوسات وذهولك عنه لاشتغالك بالظاهر عن الباطن ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بالموت ﴿ غطاءك ﴾ المادي الجسماني الذي احتجبت به ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ أي: إدراكك لما ذهلت عنه ولم تصدق بوجوده يقينا قوي تعاينه ﴿ وقال قرينه ﴾ من شيطان الوهم الذي غره بالظواهر وحجبه عن البواطن ﴿ هذا ما لدي ﴾ مهيأ لجهنم، أي: ظهر تسخير الوهم إياه في التوجه إلى الجهة السفلية وإنه ملكه واستعبده في طلب اللذات البدنية حتى هيأه لجهنم في قعر الطبيعة.

﴿ ألقيا في جهنم ﴾ الخطاب للسائق والشهيد اللذين يوبقانه ويلقيانه ويهلكانه في أسفل غياهب مهواة الهيولى الجسمانية وغيابة جب الطبيعة الظلمانية في نيران الحرمان أو لمالك. والمراد بتثنية الفاعل تكرار الفعل كأنما قال: ألق، لاستيلائه عليهم في الإبعاد والإلقاء إلى الجهة السفلية، ويقوي الأول أنه عدد الرذائل الموبقة التي أوجبت استحقاقهم لعذاب جهنم ووقوعهم في نيران الجحيم وبين أنها من باب العلم والعمل والكفران ومنع الخير كلاهما من إفراط القوة البهيمية الشهوانية لانهماكها في لذاتها واستعمالها نعم الله تعالى في غير مواضعها من المعاصي والاحتجاب عن المنعم بها ومن حقها أن تذكره وتبعث على شكره وشدة حرصها ومكالبتها عليها لفرط ولوعها بها فتمنعها عن مستحقيها. وذكرهما على بناء المبالغة ليدل على رسوخ الرذيلتين فيه وغلبتهما عليه وتعمقه فيهما الموجب للسقوط عن رتبة الفطرة في قعر بئر الطبيعة، والعتود والاعتداء كلاهما من إفراط القوة الغضبية واستيلائها لفرط الشيطنة والخروج عن حد العدالة، والأربعة من باب فساد العمل والريب والشرك كلاهما من نقصان القوة النطقية وسقوطها عن الفطرة بتفريطها في جنب الله وقصورها عن حدة القوة العاقلة وذلك من باب فساد العلم.

تفسير القرآن · الصفحة ٥٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٥٣٣