تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.37-42

﴿ وما كان هذا القرآن ﴾ اختلاقا ﴿ من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿ وتفصيل الكتاب ﴾ الذي هو الأم له كقوله تعالى:

وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم

[الزخرف، الآية: 4] أي: كيف يكون مختلقا وقد أثبت قبله في كتابين من علم مفصلا كما هو في اللوح المحفوظ ومجملا في أم الكتاب الذي هذا تفصيله.

﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾ أي: لما جهلوا كيفية ثبوته في علم الله ونزوله على سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام وقصر علمهم عن ذلك كذبوا به ﴿ ولما يأتهم تأويله ﴾ أي: ظهور ما أشار إليه في مواعيده وأمثاله مما يؤول أمره وعلمه إليه فلا يمكنهم التكذيب لأنه إذا ظهرت حقائقه لا يمكن لأحد تكذيبه، مثل ذلك التكذيب العظيم ﴿ كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان ﴾ عاقبتهم لما ظلموا بالتكذيب ﴿ ومنهم من يؤمن به ﴾ أي: سيؤمن به لرقة حجابه ﴿ ومنهم من لا يؤمن به ﴾ أبدا لغلظ حجابه ﴿ ومنهم من يستمعون إليك ﴾ ولكن لا يفهمون إما لعدم الاستعداد في الأصل وإما لرسوخ الهيئات المظلمة الحاجبة لنور الاستعداد فيهم وإما لاجتماع الأمرين كالأصم الذي لا عقل له فلا يسمع ولا يتفطن للإشارة، فكيف يمكن إفهامه.

10.43-46

﴿ ومنهم من ينظر إليك ﴾ ولكن لا يبصر الحق ولا حقيقتك لأحد الأمرين المذكورين أو كليهما كالأعمى الذي انضم إلى فقدان بصره فقدان البصيرة فلا يبصر ولا يستبصر فكيف تمكن هدايته.

﴿ إن الله لا يظلم الناس شيئا ﴾ لما ذكر الصمم والعمى اللذين يدلان على عدم استعداد الإدراك أشعر الكلام بوقوع الظلم لوجود الاستعداد لبعض وعدمه لبعض فسلب الظلم عن نفسه لأن عدم الاستعداد في الأصل ليس ظلما لعدم إمكان ما هو أجود منه بالنسبة إلى خصوصية ذلك وهويته فكان عينه مقتضيا له في رتبة من مراتب الإمكان كما لا يمكن للحمار مع حماريته استعداد الإدراك الإنساني وكان عينه مستدعيا لما هو عليه من الاستعداد الحماري ولا يطلب منه وراء ما في استعداده فلا ظلم هذا إذا لم يكن في الأصل وأما إذا بطل برسوخ الهيئات المظلمة فلا كلام فيه وكلاهما ظالم لنفسه. أما الأول فلقصوره في درجات الإمكان ونقصانه بالإضافة إلى ما فوقه كقصور الحمار مثلا عن الإنسان ونقصانه بالإضافة إليه لا في نفسه فإنه في حد نفسه ليس بقاصر ولا ناقص. وأما الثاني فظاهر وعلى هذا معنى ﴿ أنفسهم يظلمون ﴾ ينقصون حظها، أو إن الله لا يظلم الناس شيئا بأن يطلب منهم ما ليس في استعدادهم فيعاقبهم على ذلك ولكن الناس أنفسهم يظلمون فيستعملون استعداداتهم فيما لم تخلق لأجله.

﴿ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار ﴾ لعدم إحساسهم بالحركة المستلزم لذهولهم عن الزمان إذ الذاهل عن الحركة ذاهل عن الزمان، فسواء عندهم الساعة الواحدة والدهور المتطاولة ﴿ يتعارفون بينهم ﴾ بحكم سابقة الصحبة وداعية الهوى اللازمة للجنسية الأصلية بدلا التشاؤم. ثم إن بقيت الجنسية الأصلية والمناسبة الفطرية لاتحادهم في الوجهة واتفاقهم في المقصد بقي التعارف بينهم، وإن لم يبق بسبب اختلاف الأهواء وتباين الآراء وتفاوت الهيئات المستفادة من لواحق النشأة وعوارض المادة انقلب إلى التناكر ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ لوقوعهم في وحشة التناكر حينئذ واحتجابهم بحجب عاداتهم الفاسقة وهيئات اعتقاداتهم الفاسدة ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ وبطل نور استعدادهم فلا يهتدون إلى الله ولا إلى التعارف فخسئوا مبغوضين مطرودين لا يألفون أنيسا ولا يؤون أليفا.

تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٢٢٣