4.59-63
﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بتوحيد الصفات ﴿ أطيعوا الله ﴾ بتوحيد الذات والفناء في الجمع ﴿ وأطيعوا الرسول ﴾ بمراعاة حقوق التفصيل في عين الجمع وملاحظة ترتيب الصفات بعد الفناء في الذات ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ ممن استحق الولاية والرياسة كما مر في حكاية طالوت. ﴿ ألم تر ﴾ أي: تعجب من ﴿ الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ﴾ من علم التوحيد ﴿ وما أنزل من قبلك ﴾ من علم المبدأ والمعاد ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ وهو ينافي ما ادعوه إذ لو كان إيمانهم صحيحا لما أثبتوا غيرا حتى يكون له حكم، فإنهم بحكم الإيمان الحقيقي مأمورون بالكفر بغيره، ومن لم ينسلخ عن صفاته وأفعاله ولم تنطمس ذاته في الله تعالى فهو غيره، ومن توجه إلى الغير فقد أطاع الشيطان ولا يريد الشيطان بهم إلا الضلال البعيد الذي هو الانحراف عن الحق بالشرك، إذ الزيغ عن الدين هو الضلال المبين.
4.64-65
﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ الآية، الفرق بين الرسول والنبي هو: أن الرسالة، باعتبار تبليغ الأحكام:
يأيها الرسول بلغ
[المائدة، الآية: 67] والنبوة باعتبار الإخبار عن المعارف والحقائق التي تتعلق بتفاصيل الصفات والأفعال. فإن النبوة ظاهر الولاية التي هي الاستغراق في عين الجمع والفناء في الذات، فعلمها علم توحيد الذات ومحو الأفعال والصفات. فكل رسول نبي، وكل نبي ولي، وليس كل ولي نبيا، ولا كل نبي مرسلا، وإن كانت رتبة الولاية أشرف من النبوة، والنبوة من الرسالة كما قيل:
مقام النبوة في برزخ
دوين الولي وفوق الرسول
فلا يرسل الرسول إلا للطاعة، إذ حكمه حكم الله باعتبار التبليغ فيجب أن يطاع، ولا يطاع إلا بإذنه، فإن من حجب عنه بقصور الاستعداد كالكافر الأصلي والشقي الحقيقي، أو بالرين ومحو الاستعداد كالمنافق ليس بمأذون له في الطاعة في الحقيقة. ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بمنعها عن حقوقها التي هي كمالاتها الثابتة فيها بالقوة، وتكدير الاستعداد بالتوجه إلى طلب اللذات الحسية والأغراض الفانية ﴿ جاؤوك ﴾ بالإرادة التي هي مقتضى استعدادهم ﴿ فاستغفروا الله ﴾ طلبوا من الله ستر صفات نفوسهم التي هي مصادر تلك الأفعال الحاجبة لما في استعدادهم بنور صفاته ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ بإمدادهم بنور صفاته التي هي صفات الله عز وجل لرابطة الجنسية التي بينهم وبين نفسه، ومكان الإرادة والمحبة التي تستلزم قربهم منه وامتزاجهم به ﴿ لوجدوا الله توابا ﴾ مطهرا، مصفيا لاستعدادهم بنوره، إذ قبول التوبة هو إلقاء نور الصفات عليهم، وتنوير بواطنهم بهيئة نورية تعصمهم من الخطأ في الأفعال لبعد النور عن الظلمة ﴿ رحيما ﴾ يفيض عليهم رحمة الكمال اللائق بهم من الإيقان العلمي أو العيني أو الحقي.
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ الإيمان الحقيقي التوحيدي ﴿ حتى يحكموك ﴾ لكون حكمك حكم الله، وإنما حجبت الذات بالصفات، والصفات بالأفعال، فإذا تشاجروا وقفوا مع صفاتهم محجوبين عن صفات الحق أو مع أفعالهم محجوبين عن أفعال الحق، فلم يؤمنوا حقيقة. فإذا حكموك انسلخوا عن أفعالهم، وإذا لم يجدوا في أنفسهم حرجا من قضائك انسلخوا عن إرادتهم فصاروا إلى مقام الرضا، وعن علمهم وقدرتهم فصاروا إلى مقام التسليم فلم يبق لهم حجاب من صفاتهم واتصفوا بصفات الحق فانكشف لهم في صورة الصفات فعلموا أنك هو قائم به، لا بنفسك، عادل بالحقيقة بعدله، فتحقق إيمانهم بالله.