ثم لو نظر الإنسان في نفسه لوجد عالما آخر مليئا بالآيات، انظر إلى الناس واختلاف لغاتهم ولهجاتهم وتكوينهم وبصماتهم:
ومن آياته خلق السموت والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين
[الروم: 22]. ولو شاء سبحانه لجعلنا على لون واحد، ولسان واحد، لكن من حكمته تعالى في الخلق أن يجمعك بغيرك في شيء متفق، ثم يميزك عنه بشيء آخر مختلف تماما. كنا نعرف في التمييز بين الناس بصمة الإصبع، الآن وجدوا بصمة للصوت، وبصمة للفك، وبصمة للرائحة، كل هذه البصمات تميز الإنسان، بمعنى أنها لا تتكرر في شخص آخر على كثرة العدد، أليس هذا إعجازا في الخلق يدعونا إلى الإيمان بالخالق جل وعلا؟ قلنا: من عجائب الخلق في جسم الإنسان أنه لا يحدث فيه استطراق حراري كما يحدث في باقي الأجسام، فحرارة الجسم العادية 37 تجدها في الإنسان عند خط الاستواء وفي الإنسان في القطب المتجمد، لأن الجسم يحتفظ في داخله بهذه الدرجة، ثم تجد لكل عضو من أعضاء الجسم حرارته المناسبة له كي يؤدي مهمته. فتتعجب حين تعلم أن العين لا تزيد حرارتها عن 9 ، في حين أن الكبد لا تقل حرارته عن 40 ، وهما في جسم واحد متصل، ومع ذلك لا يحدث فيه استطراق حراري فتتعدى حرارة الكبد إلى حرارة العين مثلا. لذلك كما اهتم الإسلام بتشريع الحلال والحرام وبيانه للناس اهتم بدرجة أكبر ببيان آيات الله الكونية في كل أنواع المخلوقات إنسان وحيوان ونبات وجماد. واقرأ إن شئت:
ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور
[فاطر: 27-28]. ها هنا حكم شرعي في الصلاة أو الحج أو الصيام؟ كلها دعوة للنظر وللتأمل في الكون، والعلماء هنا هم علماء الكونيات لا علماء الدين، فهم أعرف الناس بآيات الله، وهم أعرف الناس بالله وهم أكثر الناس لله خشية، لماذا؟ لأنهم وقفوا على آياته بأنفسهم، فهم أعرف الناس بها، لذلك لم يهمل الدين علما من العلوم أبدا، لأن العلم يخدم قضية الإيمان وقضية التوحيد. الحق سبحانه وتعالى يعطينا في القرآن كل هذه الأمثال لنأخذ منها الدليل على وجوده تعالى، ونأخذ منها صفات القهر والحكمة والعزة والرحمة.. الخ بل نأخذ من الآيات الكونية ما تستقيم به حياتنا وما نصحح به مفاهيمنا عن الأشياء. فمثلا خذ علاقة الرجل بالمرأة، البعض يرى أن الرجل ضد المرأة وأنهما على طرفي نقيض، فنسمع أنصار المرأة ويقابلهم أنصار الرجل وكأنها معركة، في حين أننا نقرأ القرآن فنجد قوله تعالى
والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى
[الليل: 1-4]. فالمخلوقات المتقابلة لا تعني أنها متضادة، وإياك أن تظن أن الليل ضد النهار، نعم هو يقابله في طبيعة الأشياء لكن لا يضاده، فالليل يساند النهار ويساعده، والنهار يساند الليل ويساعده فهما متكاملان، الليل للراحة والنهار للعمل، وكلاهما مهم للآخر، وكلاهما له مهمة في الحياة ودور. كذلك الحال في الذكر والأنثى. إذن: هذه الآية الكونية تعلمنا درسا في حياتنا الاجتماعية، وأنه لا داعي لكل هذه الضجة حول علاقة الرجل بالمرأة، وعودوا إلى القرآن ففيه الشفاء، وفيه حلول كل مشاكلنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وفي خلقكم وما يبث... ﴾.